تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين في ألمانيا يثير قلق الجالية المغربية

حنان الفاتحي

أعادت تصريحات حديثة للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، خلال جلسة برلمانية خُصصت لمناقشة العنف ضد المرأة، الجدل مجدداً بشأن تنامي الخطاب السياسي الذي يربط قضايا الأمن والجريمة بملف الهجرة في ألمانيا. هذا الجدل لم يبق حبيس الساحة السياسية، بل امتد إلى أوساط الجاليات الأجنبية، وفي مقدمتها الجالية المغربية، التي تنظر بقلق إلى ما تعتبره تحولا مقلقا في المزاج العام وتزايدا في مظاهر التوجس من الأجانب.

فخلال السنوات الأخيرة، عرفت ألمانيا نقاشا محتدما حول تداعيات الهجرة، خاصة مع الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وارتفاع معدلات التضخم، والضغط المتزايد على الخدمات الاجتماعية. وفي هذا السياق، وجد الخطاب الشعبوي أرضية خصبة لإعادة طرح أسئلة الهوية والأمن والاندماج، وهي مواضيع غالبا ما تُقدَّم في ارتباط مباشر بالمهاجرين.

تحولات سياسية واستمالة للناخب المحافظ

يرى هشام عبيدي، الباحث في علم الاجتماع والمقيم بألمانيا، أن تصريحات ميرتس لا يمكن فصلها عن التحولات الجارية داخل المشهد الحزبي الألماني، موضحا أن زعيم الاتحاد الديمقراطي المسيحي يسعى إلى استعادة جزء من الناخبين الذين انجذبوا خلال السنوات الماضية إلى أحزاب اليمين المتطرف.

وأضاف أن جزءا من الخطاب السياسي الحالي يقوم على تبني لغة أكثر تشددا تجاه الهجرة، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المرتبط بالأوضاع الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما جعل بعض الأحزاب التقليدية تعيد تموقعها السياسي تحت ضغط الشارع.

وأوضح المتحدث أن هذا التحول انعكس على الحياة اليومية، حيث أصبحت مواقف التمييز والعنصرية أكثر وضوحا من السابق، ليس فقط في الفضاء العام، بل حتى في أماكن العمل والعلاقات الاجتماعية، مشيرا إلى أن عددا من الألمان أنفسهم باتوا يلاحظون هذا التغير.

الجالية المغربية خارج دائرة الأرقام المتداولة

من جهتها، أكدت نادية يقين، العضو في لجنة الثقافة والأعمال الاجتماعية بإحدى البلديات الألمانية ومديرة المعهد المغربي الألماني للدراسات والبحوث، أن النقاش الدائر حاليا يشهد ميلا متزايدا إلى اختزال قضايا الهجرة في بعدها الأمني، وهو توجه تقوده أساسا تيارات اليمين المتطرف، قبل أن تجد بعض مفرداته طريقها إلى أحزاب أخرى أكثر اعتدالا.

وأشارت إلى أن الاستناد إلى الأرقام الرسمية في قضايا الجريمة غالبا ما يتم بطريقة انتقائية، إذ يجري التركيز على جنسيات معينة دون تقديم الصورة الكاملة أو مراعاة السياقات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة المرتبطة بهذه الظواهر.

وشددت على أن الجالية المغربية لا تندرج ضمن المراتب الأولى في الإحصاءات المرتبطة بالمشتبه فيهم، غير أن ذلك لا يمنع أحيانا من امتداد الصور النمطية السلبية إليها، بحكم الانتماء الجغرافي أو الثقافي، وهو ما يفاقم الشعور بالاستهداف لدى عدد من المغاربة المقيمين هناك.

ذاكرة أحداث كولونيا ما زالت حاضرة

وتستحضر بعض الأصوات داخل الجالية المغربية تأثير أحداث ليلة رأس السنة في مدينة كولونيا بين عامي 2015 و2016، حين وُجهت اتهامات إلى مهاجرين من أصول مختلفة، من بينها أصول عربية ومغاربية، وهي الأحداث التي خلفت أثرا عميقا في النقاش العام الألماني، ورسخت لدى جزء من الرأي العام تصورات سلبية ما زالت تلقي بظلالها إلى اليوم.

وترى فعاليات جمعوية أن استمرار استدعاء تلك الأحداث كلما أثير ملف الأمن أو الهجرة، يعمق الأحكام المسبقة ويضعف جهود الاندماج التي راكمتها جاليات أجنبية منذ عقود.

أصوات ألمانية رافضة للتعميم

في المقابل، لا يخلو المشهد الألماني من مواقف سياسية ومدنية تنتقد هذا المنحى. فقد اعتبرت شخصيات من الحزب اليساري ومنظمات حقوقية أن ربط العنف ضد المرأة أو الجريمة عموما بالهجرة بشكل آلي، يمثل تبسيطا مخلا للمشكلة، ويصرف الانتباه عن الأسباب البنيوية المرتبطة بالتربية والفوارق الاجتماعية والسياسات العمومية.

وترى هذه الأطراف أن مواجهة العنف أو الجريمة لا تمر عبر شيطنة فئات اجتماعية بأكملها، بل من خلال سياسات أكثر نجاعة في مجالات التعليم والعدالة والاندماج والحماية الاجتماعية.

الحاجة إلى خطاب متوازن

في ظل هذا المناخ، تبدو الجالية المغربية بألمانيا أمام تحد مزدوج: الدفاع عن مكتسبات الاندماج التي حققتها على مدى سنوات، ومواجهة موجة من التعميمات التي قد تؤثر على صورتها وحضورها داخل المجتمع.

ويجمع متابعون على أن المرحلة الحالية تتطلب خطابا سياسيا أكثر اتزانا، يفرق بين الوقائع الفردية والانتماءات الجماعية، ويحافظ في الآن ذاته على التوازن الدقيق بين متطلبات الأمن وقيم دولة القانون، دون تحويل المهاجرين إلى شماعة تعلق عليها أزمات الداخل الألماني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com