في خطوة تحمل أكثر من رسالة سياسية ودبلوماسية، قرر المجلس الرئاسي الليبي إعفاء وزير الخارجية المكلف الطاهر الباعور من المهام المرتبطة بالتمثيل الخارجي، مطالباً في الآن ذاته بتقديم مرشح جديد لتولي حقيبة وزارة الخارجية والتعاون الدولي، في قرار يعكس حجم التوتر القائم داخل هرم السلطة التنفيذية في ليبيا، كما يفتح الباب واسعاً أمام قراءة أعمق لخلفيات هذا الإجراء وتوقيته.
المجلس الرئاسي أوضح، في بيان رسمي، أن القرار جاء عقب مراسلة داخلية تضمنت تكليفاً بتسيير شؤون ديوان وزارة الخارجية، وما ترتب عن ذلك من مباشرة أعمال مرتبطة بالاتصال الخارجي والتمثيل الدبلوماسي. وشدد على أن الحقائب السيادية، وعلى رأسها وزارة الخارجية، لا يمكن تدبيرها بقرارات إدارية منفردة، بل تخضع لآليات الترشيح والتشاور المنصوص عليها في الاتفاقات السياسية المنظمة للمرحلة الانتقالية.
ورغم الطابع القانوني والمؤسساتي الذي حاول البيان إبرازه، إلا أن كثيراً من المتابعين ربطوا هذا القرار بسلسلة ارتباكات دبلوماسية شهدتها حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، كان آخرها الجدل الذي أثاره عرض خريطة مبتورة للمملكة المغربية، خلال أشغال “مؤتمر قادة الاستخبارات العسكرية لدول الساحل والمتوسط 2026”، المنعقد في العاصمة طرابلس.
ذلك الخطأ، الذي قد يبدو للبعض مجرد هفوة تقنية، حمل في الواقع أبعاداً سياسية حساسة، لأن المساس بالوحدة الترابية للدول لا يُقرأ في العرف الدبلوماسي باعتباره تفصيلاً عابراً. فخرائط الدول في المؤتمرات الدولية ليست مجرد صور توضيحية، بل رسائل سيادية مشفرة، وأي خلل فيها يتحول سريعاً إلى أزمة بروتوكولية قد تتجاوز حدود القاعة التي وقع فيها الخطأ.
المفارقة أن المغرب لم يكن يوماً طرفاً هامشياً في الملف الليبي، بل شكل خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز الداعمين لمسار التسوية السياسية. فمن اتفاق الصخيرات الذي ظل مرجعاً أساسياً في كل النقاشات الأممية، إلى لقاءات بوزنيقة، مروراً بحوار طنجة، لعبت الرباط دور الوسيط الهادئ الذي يفضل تقريب المسافات بدل الاستثمار في الانقسامات.
لذلك، فإن أي ارتباك يمس العلاقات المغربية الليبية لا يُنظر إليه باعتباره حادثاً بروتوكولياً بسيطاً، بل إخلالاً بميزان دبلوماسي دقيق، خاصة في لحظة تحتاج فيها ليبيا إلى توسيع دائرة أصدقائها، لا إلى خسارة شركائها المتفهمين لتعقيدات المشهد الداخلي.
قرار إعفاء الباعور يكشف أيضاً استمرار التنازع بين المؤسسات الليبية حول الصلاحيات، حيث لا تزال العلاقة بين المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية محكومة بمنطق شد الحبل أكثر من منطق التكامل. فالخارجية، باعتبارها واجهة الدولة، تحولت بدورها إلى ساحة اختبار لنفوذ الأطراف المتصارعة داخل السلطة الانتقالية.
وفي العمق، لا يبدو أن ليبيا تعاني من أزمة أسماء بقدر ما تعاني من أزمة مؤسسات. فكلما تغير المسؤول، بقيت الأعطاب نفسها: تضارب الصلاحيات، هشاشة القرار، وغياب الانسجام بين الأجسام السياسية التي يفترض أنها تقود مرحلة انتقالية نحو الاستقرار.
أما الرسالة الأوضح من كل ما جرى، فهي أن الدبلوماسية لا تُدار بالارتجال، وأن الأخطاء التي تُرتكب في البروتوكول قد تسقط مسؤولين بقدر ما تسقط الثقة. وفي بلد يبحث منذ سنوات عن صورة دولة مستقرة، يصبح احترام الرموز والسيادات والتوازنات الدولية جزءاً من معركة بناء الشرعية، لا مجرد تفصيل تنظيمي.