في الجغرافيا السياسية، لا تسقط الأزمات فجأة، بل تتراكم بصمت إلى أن تتحول إلى عبء ثقيل على الدولة الحاضنة. وهذا ما يبدو اليوم في ملف مخيمات تندوف، الذي عاد إلى الواجهة بعد تداول تقرير إعلامي أمريكي تحدث عن ضغوط مورست على الجزائر من أجل القبول بخطة تقضي بتفكيك المخيمات خلال فترة زمنية محددة، مع منح الجنسية الجزائرية لغالبية المقيمين فيها.
ورغم غياب أي تأكيد رسمي من واشنطن أو الجزائر بشأن هذه المعطيات، فإن مجرد تسريب مثل هذا السيناريو يكشف أن ملف تندوف لم يعد يُنظر إليه دولياً باعتباره قضية إنسانية معزولة، بل كعقدة أمنية وسياسية مزمنة تتطلب إعادة هندسة شاملة.
تندوف: من ورقة ضغط إلى عبء سيادي
منذ عقود، تعاملت الجزائر مع مخيمات تندوف باعتبارها ورقة نفوذ إقليمي في نزاع الصحراء. غير أن التحولات الجيوسياسية التي عرفتها المنطقة، وصعود مقاربات جديدة لتسوية النزاعات، جعلا من هذه الورقة عبئاً متزايد الكلفة.
فاستمرار وجود عشرات الآلاف من الأشخاص فوق التراب الجزائري خارج إحصاء دقيق، وفي وضع قانوني استثنائي، يطرح أسئلة سيادية معقدة تتعلق بالمسؤولية القانونية، وبالالتزامات الإنسانية، وبمخاطر الاختراقات الأمنية في فضاء الساحل والصحراء، حيث تنشط شبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود.
بمعنى آخر، ما كان يُستثمر سياسياً في الأمس، بات يُحسب اليوم ضمن كلفة الدولة.
لماذا الآن؟
الحديث عن إعادة ترتيب ملف تندوف يأتي في لحظة دولية حساسة. فالولايات المتحدة، إلى جانب قوى غربية أخرى، تبدو أكثر ميلاً إلى الحلول الواقعية القابلة للتنفيذ، بدل الإبقاء على نزاعات مجمدة تستنزف الاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق، أصبح مقترح الحكم الذاتي المغربي يُقدَّم في دوائر دولية متزايدة بوصفه إطاراً عملياً لإنهاء النزاع، بينما تراجعت رهانات الطروحات الانفصالية التي لم تعد تجد نفس الزخم الدبلوماسي الذي كانت تستفيد منه خلال الحرب الباردة.
أما ملف السكان داخل المخيمات، فقد تحول إلى عنصر مركزي في أي تصور للحل، لأن المجتمع الدولي لم يعد يقبل باستمرار وضع بشري معلق إلى أجل غير مسمى.
الجنسية الجزائرية: الاعتراف الذي تأخر
إذا صحّ ما ورد في التقرير بشأن منح الجنسية الجزائرية لغالبية سكان المخيمات، فإن الأمر يتجاوز إجراءً إدارياً عادياً، ليشكل تحوّلاً سياسياً عميقاً.
ذلك أن منح الجنسية يعني عملياً الاعتراف بأن هؤلاء الأشخاص يوجدون داخل فضاء سيادي جزائري، وأن مسؤولية إدماجهم وحمايتهم لا يمكن أن تبقى مؤجلة تحت غطاء الشعارات. كما يعني أيضاً نهاية مرحلة طويلة من الغموض القانوني الذي أحاط بوضعيتهم.
ومن منظور استراتيجي، قد يكون هذا الخيار أقل كلفة من استمرار إدارة أزمة مفتوحة بلا أفق.
المينورسو وتحول الوظيفة الدولية
الحديث عن مراجعة مهام بعثة المينورسو، إن تأكد مستقبلاً، يعكس توجهاً نحو الانتقال من مجرد مراقبة وقف إطلاق النار إلى مواكبة ترتيبات سياسية وإنسانية أكثر تعقيداً.
فالبعثات الأممية، حين تفشل في تحقيق أهدافها الأصلية لعقود، تُعاد صياغة أدوارها عادة بما ينسجم مع موازين القوى الجديدة. وتندوف قد تصبح جزءاً من هذا التحول.
الجزائر بين الواقعية وكلفة المكابرة
تجد الجزائر نفسها اليوم أمام خيارين واضحين: إما الانخراط في مقاربة واقعية تعترف بأن الزمن الاستراتيجي تغيّر، وأن إدارة النزاع لم تعد مربحة كما في السابق؛ وإما الاستمرار في سياسة الإنكار، مع ما يرافقها من عزلة دبلوماسية وتآكل في هامش المناورة.
في العلاقات الدولية، لا تعاقَب الدول فقط على أخطائها، بل أيضاً على تأخرها في مراجعة حساباتها.
قد يكون التقرير المتداول مجرد جس نبض إعلامي، وقد يكون تسريباً مقصوداً لاختبار ردود الفعل. لكن المؤكد أن ملف تندوف دخل مرحلة جديدة، عنوانها أن النزاعات المجمدة لا تبقى مجمدة إلى الأبد.
أما الجزائر، التي اعتقدت طويلاً أنها تدير الملف من مقعد المراقب، فقد تكتشف متأخرة أنها أصبحت هي نفسها جزءاً من المشكلة، وأن الكرسي الذي جلست عليه لسنوات لم يعد مريحاً كما كان.