السانديك في المغرب: بين سلطة التسيير وحق السكان في مراقبة المال المشترك

في خضم التحولات العمرانية المتسارعة التي يعرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين، لم تعد العمارات السكنية والإقامات المشتركة مجرد فضاءات للعيش، بل أصبحت وحدات اجتماعية واقتصادية مصغّرة تحتاج إلى تدبير احترافي يضمن الاستقرار ويحافظ على قيمة الاستثمار العقاري. وفي قلب هذه المنظومة يبرز دور السانديك، باعتباره الحلقة التنظيمية الأساسية المكلفة بتسيير الملكية المشتركة، وضمان احترام القانون، وصيانة المرافق الجماعية، وتدبير الموارد المالية المشتركة.

غير أن هذا الدور، رغم أهميته المتزايدة، ما يزال يطرح أسئلة جوهرية تتعلق بالحكامة، والشفافية، والمساءلة، وحق السكان في معرفة أين تُصرف الأموال التي يؤدونها شهرياً.

السانديك: من وظيفة تقنية إلى مسؤولية استراتيجية

في التصور التقليدي، كان يُنظر إلى السانديك باعتباره مجرد مسيّر للنظافة، الإنارة، وصيانة المصعد. لكن الواقع العمراني الجديد فرض تحولاً عميقاً في هذه الوظيفة، لتصبح أقرب إلى إدارة محلية مصغّرة تشرف على الأمن الداخلي، التدبير المالي، الصيانة الوقائية، الوساطة الاجتماعية، وتنفيذ قرارات الجموع العامة للسكان.

وفي المدن الكبرى مثل الدار البيضاء، الرباط، طنجة، مراكش وأكادير، حيث تنامت المشاريع السكنية العمودية، أصبح نجاح أي إقامة مرتبطاً بمدى كفاءة السانديك وقدرته على تدبير التوازن بين جودة الخدمات والانضباط المالي.

الإطار القانوني: الحساب البنكي المستقل كضمانة للشفافية

أدرك المشرّع المغربي مبكراً حساسية هذا الملف، لذلك نص القانون 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية، كما تم تعديله وتتميمه بالقانون 106.12، على ضرورة إرساء قواعد واضحة للتسيير المالي.

ومن أبرز هذه المقتضيات، إلزام السانديك بفتح حساب بنكي مستقل باسم اتحاد الملاك المشتركين، وليس باسمه الشخصي أو باسم شركة خاصة. وتكمن أهمية هذا الإجراء في منع خلط الأموال الخاصة بالأموال الجماعية، وضمان إمكانية تتبع كل المداخيل والمصاريف بشكل واضح.

هذا الحساب البنكي يجب أن تودع فيه:

  • واجبات الاشتراك الشهرية للسكان
  • المساهمات الاستثنائية المقررة في الجموع العامة
  • مداخيل كراء بعض الفضاءات المشتركة إن وجدت
  • أي تعويضات أو موارد مالية تخص الاتحاد

وهو ما يشكل حجر الزاوية في أي نموذج حديث للشفافية.

لماذا يحق للسكان معرفة أين تصرف الأموال؟

من الناحية القانونية والأخلاقية، الأموال التي تُدفع شهرياً ليست “رسوماً غامضة”، بل مساهمات جماعية مقابل خدمات محددة. وبالتالي، من حق كل مالك أو ساكن أن يطّلع على كيفية صرفها.

ويشمل ذلك:

  • مصاريف النظافة والحراسة
  • أجور المستخدمين
  • فواتير الماء والكهرباء الخاصة بالمرافق المشتركة
  • إصلاح الأعطاب التقنية
  • الصيانة الدورية للمصعد
  • الاحتياطات المالية المخصصة للطوارئ أو الأشغال الكبرى

إن غياب هذه المعطيات يخلق مناخاً من الشك، ويحوّل السانديك من أداة تنظيم إلى مصدر توتر دائم داخل الإقامات.

التحصيل من الجميع دون تمييز: مبدأ العدالة المالية

القانون واضح أيضاً في مسألة استخلاص واجبات الاشتراك. فالسانديك ملزم بتحصيل المساهمات من جميع الملاك المشتركين دون استثناء أو انتقائية. لأن تحميل بعض السكان عبء الأداء مقابل تهرب آخرين يؤدي إلى اختلالات مالية خطيرة، ويهدد استمرارية الخدمات الأساسية.

في كثير من الحالات، تتحول الإقامات إلى رهينة لثقافة الإفلات من الأداء، فيتوقف المصعد، وتتراجع النظافة، وتتعطل الإصلاحات، فقط لأن التحصيل لا يتم بحزم وعدالة.

ومن هنا، فإن قوة السانديك لا تقاس فقط بقدرته على جمع الأموال، بل بمدى احترامه لمبدأ المساواة أمام الواجبات المشتركة.

البعد الجيوستراتيجي: لماذا يهم هذا الملف الدولة؟

قد يبدو موضوع السانديك ملفاً محلياً بسيطاً، لكنه في الحقيقة يرتبط برهانات وطنية أوسع.

فالمغرب يستثمر مليارات الدراهم في البنية التحتية، السكن الاجتماعي، المدن الجديدة، وجاذبية الاستثمار العقاري. غير أن ضعف الحكامة داخل الإقامات السكنية يمكن أن يؤدي إلى تدهور سريع للأصول العقارية، ونشوء نزاعات اجتماعية، وانخفاض جاذبية المجال الحضري.

بمعنى آخر، السانديك ليس مجرد مسيّر بناية، بل فاعل غير مباشر في:

  • حماية الاستثمار العقاري
  • تحسين جودة العيش الحضري
  • تثمين المدن المغربية
  • تعزيز الثقة في السوق العقارية
  • تقليص النزاعات القضائية بين السكان

ولهذا، فإن تحديث هذا القطاع يدخل ضمن رهانات الأمن الاجتماعي والاقتصاد الحضري.

نحو نموذج جديد للسانديك في المغرب

المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من “سانديك تقليدي” إلى سانديك مؤسساتي محترف يعتمد أدوات الحكامة الحديثة، من بينها:

  • نشر تقارير مالية دورية مفصلة
  • تمكين السكان من الاطلاع على الحسابات
  • رقمنة الأداء والفواتير
  • تنظيم جموع عامة منتظمة وشفافة
  • اعتماد دفتر تحملات واضح للخدمات
  • إخضاع التسيير للمراقبة والتقييم

كما أن تكوين السانديك في الجوانب القانونية والمحاسباتية أصبح ضرورة، وليس ترفاً تنظيمياً.

إن مستقبل السكن الحضري في المغرب لا يتوقف فقط على بناء العمارات والإقامات الجديدة، بل على حسن تدبيرها بعد التسليم. وهنا يبرز السانديك كفاعل محوري في معادلة الثقة والاستقرار.

فالشفافية ليست امتيازاً يمنحه السانديك للسكان، بل حق أصيل لهم. ومعرفة أين تُصرف الأموال ليست فضولاً، بل أساس من أسس المواطنة داخل الملكية المشتركة.

وعندما يصبح الحساب واضحاً، والتسيير منضبطاً، والمسؤولية مشتركة، تتحول العمارة من مجرد بناية إسمنتية إلى مجتمع صغير تسوده الثقة والاحترام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com