سحب الجنسية في الولايات المتحدة: حين تتحول المواطنة إلى أداة في معركة السيادة والهجرة
حنان الفاتحي
في خطوة تحمل أبعاداً قانونية وسياسية عميقة، أكدت وزارة العدل الأمريكية شروعها في إحالة مئات الملفات إلى مكاتب الادعاء العام الفيدرالية عبر البلاد، بهدف النظر في سحب الجنسية من أشخاص حصلوا عليها عن طريق التجنّس. ورغم أن الإجراء يظل قانونياً من حيث المبدأ، إلا أن اتساع نطاقه وتحويله إلى حملة مؤسساتية يطرحان أسئلة جوهرية حول مستقبل المواطنة في الولايات المتحدة، وحدود السلطة التنفيذية في إعادة تعريف الانتماء الوطني.
تقليدياً، يُعد سحب الجنسية من أكثر الإجراءات ندرة في النظام القانوني الأمريكي، إذ يُلجأ إليه غالباً في حالات محددة تتعلق بإخفاء معلومات جوهرية أثناء طلب التجنّس، أو ارتكاب أفعال تمس الأهلية القانونية بشكل مباشر. غير أن إحالة نحو 384 قضية دفعة واحدة، وفق ما أوردته تقارير إعلامية أمريكية، يشير إلى انتقال هذا الملف من إطار قانوني استثنائي إلى سياسة عامة مرتبطة بإدارة الهجرة والأمن الداخلي.
التحول الأبرز لا يكمن فقط في عدد الملفات، بل في الجهة التي تديرها. فبدلاً من الاقتصار على محامين متخصصين في شؤون الهجرة، أصبحت مكاتب الادعاء الفيدرالية التقليدية جزءاً من العملية، ما يمنح الملف طابعاً زجرياً واضحاً. هذا التغيير يعكس توجهاً يعتبر قضايا التجنّس غير المشروع شأناً أمنياً وسيادياً، وليس مجرد مخالفات إدارية قابلة للتسوية.
سياسياً، تأتي هذه الخطوة في سياق عودة الخطاب الصارم بشأن الهجرة إلى واجهة القرار الأمريكي، خاصة مع ارتباط الحملة بإدارة الرئيس دونالد ترامب. فمنذ ولايته الأولى، جعل ترامب من ضبط الحدود، وتشديد إجراءات اللجوء، وإعادة تقييم سياسات الهجرة، ركائز مركزية في مشروعه السياسي. واليوم، يبدو أن ملف الجنسية نفسه دخل دائرة المراجعة، باعتباره الحلقة النهائية في مسار الاندماج القانوني للمهاجرين.
جيوستراتيجياً، تعكس هذه السياسة تحوّلاً أوسع داخل الدول الغربية، حيث لم تعد الهجرة تُقرأ فقط من زاوية الحاجة الاقتصادية أو التنوع المجتمعي، بل من منظور الأمن القومي، والقدرة على ضبط الهوية الوطنية، وحماية المؤسسات من الاختراق أو الاحتيال. فالمواطنة، التي كانت تُقدَّم تاريخياً كأداة إدماج، أصبحت في بعض السياقات أداة فرز وانتقاء مشدد.
غير أن هذا المسار يثير مخاوف قانونية وحقوقية حقيقية. إذ إن توسيع سحب الجنسية قد يخلق حالة من الهشاشة لدى المواطنين المتجنسين، ويكرس تمييزاً ضمنياً بين مواطن بالولادة وآخر بالتجنّس. كما أن استخدام هذا السلاح القانوني بكثافة قد يبعث برسالة مفادها أن بعض أشكال المواطنة تبقى قابلة للمراجعة، بينما أخرى محصنة بحكم الأصل.
في المحصلة، تكشف الحملة الأمريكية الجديدة أن معركة الهجرة لم تعد تتعلق بمن يدخل البلاد فقط، بل أيضاً بمن يحق له البقاء الكامل داخل الجماعة الوطنية. وبين مقتضيات السيادة ومتطلبات دولة القانون، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام اختبار دقيق: كيف تحارب الاحتيال دون أن تُضعف فكرة المواطنة ذاتها، باعتبارها عقداً دائماً لا امتيازاً مؤقتاً.