القنصليات بين خدمة المواطن وشبكات النفوذ: حين تتحول الوظيفة العمومية إلى سلطة موازية بقنصلية لييج
في علم الإدارة الحديثة، تُقاس فعالية البعثات الدبلوماسية والقنصلية بمدى قدرتها على حماية مصالح الدولة وخدمة مواطنيها في الخارج، لا بعدد المكاتب المغلقة ولا بحجم النفوذ غير الرسمي الذي يمارسه بعض المنتسبين إليها. فالقنصلية، من حيث المبدأ، ليست فضاءً لإنتاج الامتيازات الشخصية، بل مؤسسة سيادية وواجهة للدولة في الخارج، تُجسد هيبتها عبر حسن الاستقبال، والنجاعة الإدارية، والحياد المهني.
غير أن بعض الممارسات التي تُتداول داخل القنصلية المغربية بلييج تكشف، عن استمرار ذهنية إدارية متجاوزة، تقوم على الشخصنة، واستغلال الموقع، وتحويل الوظيفة إلى أداة تأثير خارج أي تراتبية قانونية. وهي ممارسات تطرح سؤال الحكامة داخل المرفق القنصلي، خاصة حين يتعلق الأمر بمصالح الجالية المغربية التي تُراهن عليها الدولة باعتبارها امتداداً استراتيجياً للمغرب في الخارج.
في هذا السياق، يبرز نموذج العون المحلي المسؤول عن الشؤون الإدارية ( ح.غ) الذي يقدم نفسه كـ”بوابة إلزامية” قبل الوصول إلى القنصل العام، ويوحون بأن مفاتيح القرار تمر عبره، لا عبر المؤسسات الرسمية. هذا السلوك، لا يضرب فقط مبدأ التسلسل الإداري، بل يخلق سلطة موازية داخل القنصلية، تُربك المرتفقين وتُضعف صورة الدولة. فالمواطن الذي يلج مؤسسة قنصلية لا ينبغي أن يجد نفسه أمام شبكات وساطة داخلية، أو أمام هذا العون المحلي الذي يروج لقربه من “دوائر عليا” أو “أمراء”، وكأن الإدارة تُدار بمنطق القرابة لا بمنطق القانون.
الأخطر من ذلك، حين يتحول العون المحلي إلى مركز نفوذ مالي أو إداري، عبر التدخل في الصفقات الصغيرة، أو خدمات التأمين، أو عقود المناولة، أو اختيار الممونين، بما يثير تساؤلات حول الشفافية وتكافؤ الفرص. فالتدبير المالي داخل المؤسسات العمومية، خاصة ذات الحساسية السيادية، يجب أن يخضع لمعايير صارمة من النزاهة والرقابة، لا لمنطق العمولات غير المعلنة أو شبكات المصالح المتقاطعة.
ومن منظور جيوستراتيجي، فإن أي خلل داخل القنصليات المغربية في أوروبا لا يُعد مجرد حادث إداري داخلي، بل يمس صورة المغرب في فضاء حساس يتابع عن قرب كيفية تدبير شؤون الجاليات. فبلد مثل بلجيكا، بما يمثله من مركز أوروبي ومقر لمؤسسات الاتحاد الأوروبي، يجعل من القنصلية المغربية هناك نقطة تماس مباشرة مع الرأي العام والمؤسسات المحلية. وأي ارتباك في الأداء، أو صراعات داخلية، أو استعمال لعلاقات جمعوية وسياسية لعرقلة السير الطبيعي للمرفق، يتحول سريعاً إلى عنصر استغلال ضد مصالح المغرب.
كما أن فتح هذا العون المحلي مكتبه داخل القنصلية لاستقبال أطراف خارجية بشكل غير منظم، أو استقبال جهات أمنية بلجيكية أو مدنية خارج المساطر الإدارية المعروفة، يثير بدوره إشكالات تتعلق بحماية المعطيات الشخصية للمواطنين، وسرية الوثائق، وسلامة الأرشيف الإداري. وهي قضايا لم تعد ثانوية في زمن الرقمنة، بل تدخل في صميم الأمن المؤسساتي للدولة.
التحولات الكبرى التي يقودها المغرب في السنوات الأخيرة، تحت إشراف وزارة الشؤون الخارجية بقيادة ناصر بوريطة، قامت على تحديث الدبلوماسية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل خدمة المواطن في الخارج أولوية استراتيجية. ولذلك، فإن بقاء بعض الجيوب الإدارية المتكلسة، التي ما زالت تشتغل بعقلية “المكتب ملكية خاصة”، يتناقض مع الرؤية الجديدة للدولة.
وتزداد علامات الاستفهام حين يتعلق الأمر بالانضباط المهني واحترام زمن العمل الإداري، إذ تشير معطيات متداولة إلى أن المعني بالأمر لا يحضر إلى مقر القنصلية إلا بشكل محدود، بينما يقضي ما يقارب 80 في المائة من وقته خارج المؤسسة في أنشطة أخرى لا تدخل ضمن مهامه الرسمية. وإذا ثبتت مثل هذه المعطيات، فإنها تطرح أسئلة جوهرية حول كيفية التوفيق بين وظيفة عمومية تتطلب الحضور الدائم والانخراط الكامل في خدمة المرتفقين، وبين مزاولة أعمال موازية خارج المؤسسة. فالمسألة هنا لا ترتبط فقط بالغياب الإداري، بل بتضارب محتمل للمصالح، واستعمال محتمل للصفة الوظيفية لبناء شبكات خاصة، بما ينعكس سلباً على مردودية المرفق العمومي وصورة الدولة. إذ لا يمكن الحديث عن إدارة حديثة وفعالة، في الوقت الذي يتحول فيه المنصب العمومي إلى مجرد بطاقة تعريف اجتماعية تُستثمر خارج أسوار المؤسسة أكثر مما تُمارس داخلها.
في سياق التوترات التي قد تنشأ داخل بعض التمثيليات القنصلية، تُطرح أيضاً إشارات غير رسمية حول سلوك العون المحلي ( ح.غ) ، حيث يُقال إنه قد يسعى إلى التأثير على مناخ العمل الداخلي عبر نقل روايات أو تغذية احتكاكات بين الموظفين، بما يساهم في خلق أجواء من عدم الثقة داخل المرفق الإداري. وفي السياق ذاته، تُثار تساؤلات حول توظيف بعض العلاقات مع أطراف خارجية، من بينها أشخاص ينتحلون صفة الصحافة أو يمارسونها خارج الأطر المهنية المنظمة، من أجل توجيه انتقادات أو حملات ضغط إعلامي تستهدف بعض المسؤولين المغاربة.
ومهما كانت صحة هذه المعطيات ، فإنها تبرز أهمية تعزيز آليات الضبط الداخلي داخل المؤسسات القنصلية، وتحصينها من أي محاولات لتأثير غير مؤسسي، سواء عبر قنوات إعلامية غير مهنية أو عبر وساطات داخلية قد تمسّ بحياد الإدارة وشفافية عملها.
في سياق بعض الممارسات التي تُطرح حول تدبير التواصل الخارجي داخل محيط قنصلي، يُلاحظ أن العون المحلي يعمد على توزيع بطاقات عمل تحمل صفة “مكلف بتدبير الشؤون العامة للقنصلية ”، بما يخلق انطباعاً بامتداد صلاحياتهم خارج الإطار الإداري الرسمي. كما تُثار تساؤلات، في بعض الأوساط، حول طبيعة المبادرات التمثيلية غير الرسمية التي تُنسب إلى أنشطة العلاقات العامة، والتي قد تشمل تقديم هدايا ( قنينات خمر ) أو رموز بروتوكولية باسم المؤسسة لمسؤولين بلجيكيين في أعياد رأس السنة . غير أن غياب الوضوح في تحديد المرجعيات الرسمية لهذه الممارسات يفتح الباب أمام قراءات متباينة، ويستدعي مزيداً من ضبط آليات التواصل الخارجي بما يضمن انسجامه مع القواعد الدبلوماسية المعتمدة ومرجعية القنصلية كمؤسسة عمومية خاضعة للضوابط القانونية.
السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بمسؤولية موظف أو عون محلي هنا أو هناك، بل بقدرة المسؤولين الجدد على القطع مع إرث سابق من التسيب الإداري. فهل تستطيع القيادات القنصلية الحالية و خصوصا القنصل العام نجاح ديمو فرض منطق المؤسسة على منطق الأشخاص؟ وهل تملك الجرأة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، مهما كانت شبكات النفوذ أو الضغوط؟
إن الجالية المغربية لا تحتاج إلى وسطاء داخل القنصليات، بل إلى إدارة منفتحة، شفافة، فعالة، تحترم كرامة المواطن وتخدم مصالح الوطن. وكل تأخر في معالجة مثل هذه الاختلالات لا يضر فقط بصورة الإدارة، بل يُهدر رصيد الثقة الذي تبنيه الدولة المغربية بصعوبة في الخارج.
فالدول القوية لا تُقاس فقط بقوة جيوشها أو اقتصادها، بل أيضاً بنزاهة موظفيها، وهيبة مؤسساتها، وعدالة مرافقها العمومية. والقنصلية، في نهاية المطاف، ليست مكتب نفوذ… بل بيت المواطن المغربي خارج الوطن.