مسلمو بلجيكا بين الشرعية التمثيلية والتدخل المؤسساتي: هل تدخل العبادة الإسلامية مرحلة الحسم في بروكسل؟

بوشعيب البازي

في لحظة دقيقة من تاريخ تنظيم الشأن الإسلامي في بلجيكا، وفي سياق يتسم بتسارع التحولات المؤسساتية وتزايد النقاش العمومي حول مستقبل تمثيلية المسلمين، تعود مدينة بروكسل لتكون مرة أخرى مركزاً لصراع صامت، لكنه بالغ الدلالة، حول سؤال الشرعية، والاستقلالية، وحدود تدخل الدولة في تدبير الشأن الديني.

ففي الثاني عشر من ماي 2026، وجّه محمد أوسطون، رئيس مكتب الهيئة التنفيذية لمسلمي بلجيكا، دعوة رسمية إلى مسؤولي ومسيري مساجد بروكسل، يحثهم فيها على عدم المشاركة في اللقاء الذي تعتزم جمعية CMB تنظيمه يوم 16 ماي الجاري، محذراً مما وصفه بـ”محاولة منح شرعية ضمنية لمسار مؤسساتي يفتقر إلى الإجماع الديمقراطي داخل المجتمع المسلم”.

هذه الرسالة، التي تأتي قبل أسابيع فقط من انتهاء أجل الاعتراف المؤقت الممنوح للجمعية المعنية من طرف السلطات البلجيكية في الخامس والعشرين من يونيو 2026، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد خلاف تنظيمي عابر بين فاعلين دينيين، بل تعكس في عمقها صراعاً هيكلياً حول من يمتلك حق تمثيل الإسلام في بلجيكا، ومن يملك سلطة رسم مستقبله المؤسساتي.

من أزمة التمثيل إلى معركة الشرعية

منذ قرار السلطات البلجيكية إعادة هيكلة منظومة تمثيل المسلمين، دخل ملف العبادة الإسلامية في البلاد مرحلة جديدة عنوانها إعادة هندسة الحقل الديني وفق مقاربة مؤسساتية أكثر ارتباطاً بمفاهيم الحوكمة والرقابة والشفافية.

غير أن هذا المسار، رغم ما يرفعه من شعارات إصلاحية، لم ينجح إلى اليوم في بناء توافق داخلي حقيقي بين مختلف مكونات المشهد الإسلامي البلجيكي، خصوصاً داخل العاصمة بروكسل، التي تضم أكبر كثافة للمساجد والجمعيات الإسلامية في البلاد.

الرسالة التي وجهها محمد أوسطون تكشف بوضوح أن جزءاً مهماً من الفاعلين الدينيين ينظرون إلى جمعية CMB باعتبارها نتاجاً لما يعتبرونه تدخلاً سياسياً مباشراً في الشأن الديني، تم تحت إشراف السلطات العمومية، وبالأخص وزارة العدل، خلال مرحلة إعادة الهيكلة التي بدأت عملياً سنة 2023.

وبصرف النظر عن دقة هذا التوصيف من الناحية القانونية، فإن مجرد تداوله داخل الأوساط الإسلامية يعكس أزمة ثقة عميقة بين القاعدة المسجدية والمؤسسات الجديدة التي تسعى الدولة إلى تثبيتها.

توقيت الاجتماع… ورسائل ما قبل 25 يونيو

ما يمنح هذه الدعوة بعداً سياسياً إضافياً هو توقيتها. فتنظيم لقاء موسع مع مساجد بروكسل في السادس عشر من ماي، أي قبل أسابيع قليلة من انتهاء فترة الاعتراف المؤقت، يطرح، في نظر خصوم المشروع، أكثر من علامة استفهام حول أهداف هذا التحرك.

فمن منظور استراتيجي، يمثل تاريخ 25 يونيو 2026 نقطة تحول حاسمة، إذ سيحدد ما إذا كانت السلطات البلجيكية ستمنح الاعتراف النهائي للهيكلة الجديدة، أو ستجد نفسها مضطرة إلى مراجعة كامل المسار المؤسساتي.

في هذا السياق، يبدو واضحاً أن أي صورة جماعية، أو لوائح حضور، أو تقارير مشاركة صادرة عن لقاء بروكسل، قد تتحول إلى معطى سياسي يستخدم لإثبات وجود دعم ميداني من المساجد لصالح الجمعية المعنية.

وهنا تحديداً تكتسب دعوة المقاطعة معناها الحقيقي: فهي ليست مجرد موقف احتجاجي، بل محاولة لإفشال إنتاج “شرعية بصرية” أو “شرعية إحصائية” يمكن أن تؤثر في القرار السياسي النهائي.

الإسلام الأوروبي أمام معضلة الاستقلالية

ما يجري اليوم في بروكسل يتجاوز الحدود البلجيكية الضيقة، ويعكس إشكالية أوسع تواجه الإسلام الأوروبي منذ أكثر من عقدين: كيف يمكن للدول الأوروبية أن تنظم شؤون الإسلام كمكوّن ديني واجتماعي دون أن تتحول عملية التنظيم إلى شكل من أشكال الوصاية السياسية؟

هذا السؤال يظل مطروحاً بقوة في كل من فرنسا، ألمانيا، هولندا، واليوم في بلجيكا، حيث يتقاطع الأمن، والاندماج، والسياسة، والدين، في معادلة معقدة لا تقبل الحلول الإدارية وحدها.

فالرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بخلق هيئة تمثيلية جديدة، بل ببناء شرعية مجتمعية حقيقية، تنبع من المساجد نفسها، ومن القواعد المؤطرة للمجتمع المسلم، لا من قرارات فوقية مهما كانت نواياها الإصلاحية.

ما بعد ماي… هل تقترب لحظة الحسم؟

مع اقتراب الموعد النهائي للاعتراف المؤقت، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل التمثيل الإسلامي في بلجيكا. فإذا نجحت جمعية CMB في إظهار دعم ميداني واسع، فقد تعزز موقعها داخل المشهد المؤسساتي. أما إذا استمرت المقاطعات، خاصة من مساجد بروكسل وفلاندر، فإن السلطات البلجيكية قد تجد نفسها أمام مأزق سياسي ومؤسساتي جديد.

في كل الأحوال، يبدو أن ما يُحسم اليوم في بروكسل ليس مجرد ملف إداري مرتبط بتنظيم العبادة، بل سؤال أعمق يتعلق بمستقبل الإسلام الأوروبي نفسه: هل سيكون شريكاً مستقلاً في صناعة مؤسساته، أم مجرد موضوع لإعادة الهندسة السياسية؟

ذلك هو السؤال الذي سيحدد، ربما، شكل العلاقة بين المسلمين والدولة البلجيكية خلال العقد المقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com