أزمة الكيروسين تعيد رسم خريطة النقل الجوي: “لارام” بين الإكراهات الطاقية والتحولات الجيوستراتيجية

بوشعيب البازي

في سياق دولي يتّسم باضطراب غير مسبوق في أسواق الطاقة، تبدو صناعة النقل الجوي، بما فيها شركة الخطوط الملكية المغربية، أمام لحظة مفصلية تفرض إعادة تقييم عميقة لخياراتها التشغيلية واستراتيجياتها التوسعية. فارتفاع أسعار الكيروسين، الذي تجاوز وفق معطيات بي بي سي عتبة الضعف مقارنة بمستوياته قبل اندلاع التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لا يمثل مجرد أزمة ظرفية، بل يعكس تحولا بنيويا في كلفة النقل الجوي عالميا.

اقتصاديات الطيران تحت ضغط الطاقة

حسب مصدر مطلع ، فإن “لارام” قد تضطر إلى إغلاق عدد من الخطوط الجوية، خاصة تلك التي لم تبلغ بعد مرحلة النضج الربحي. هذا التوجه لا ينفصل عن منطق اقتصادي صارم يحكم القطاع، حيث تشكل تكاليف الوقود ما بين 25 و35 في المائة من إجمالي نفقات شركات الطيران. وعليه، فإن أي ارتفاع حاد في أسعار الكيروسين ينعكس مباشرة على هوامش الربح، بل ويهدد استدامة بعض الخطوط.

الخطوط الحديثة، التي غالبا ما تتطلب فترة استثمارية طويلة قبل تحقيق العائد، تبدو الأكثر هشاشة في هذا السياق. وهو ما يفسر احتمال إعادة النظر في رحلات نحو وجهات مثل دبي والدوحة، التي تم تعليقها بالفعل، في انتظار تحسن شروط السوق.

تحولات جيوستراتيجية في خريطة الطيران

لا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق الجيوستراتيجي الأوسع، حيث تلعب الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، دورا حاسما في استقرار إمدادات الطاقة العالمية. فقد حذّر فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، من أن استمرار إغلاق المضيق أو اضطراب الملاحة فيه قد يؤدي إلى نقص حاد في وقود الطائرات داخل أوروبا، مع ما يستتبعه ذلك من تقليص واسع للرحلات الجوية.

هذا التحذير يسلط الضوء على الترابط الوثيق بين الأمن الطاقي والأمن الجوي، ويؤكد أن شركات الطيران لم تعد مجرد فاعل اقتصادي، بل أصبحت رهينة لتوازنات جيوسياسية معقدة تتجاوز قدرتها على التحكم.

نحو إعادة هيكلة الشبكات الجوية

في هذا الإطار، تتجه “لارام” نحو ما يمكن وصفه بـ”عقلنة الشبكة الجوية”، أي إعادة توجيه الأسطول نحو الخطوط الأكثر مردودية، وتعليق أو إلغاء الخطوط ذات الأداء الضعيف. وهي مقاربة تتبناها كبرى الشركات العالمية، كما يتضح من قرار لوفتهانزا إلغاء نحو 20 ألف رحلة حتى الخريف المقبل لتقليص استهلاك الوقود.

هذه الاستراتيجية، رغم ضرورتها الاقتصادية، تحمل في طياتها انعكاسات محتملة على الربط الجوي للمغرب، خاصة في ما يتعلق بجاذبية الوجهة السياحية. إذ إن تقليص عدد الرحلات أو انسحاب شركات دولية من بعض الخطوط قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار التذاكر وتراجع تدفقات السياح.

بين الإكراهات والفرص

رغم قتامة المشهد، فإن الأزمة الحالية قد تفتح أيضا نافذة لإعادة التفكير في النموذج التنموي للنقل الجوي بالمغرب. فمن جهة، قد تدفع هذه الضغوط نحو تسريع الاستثمار في طائرات أكثر كفاءة طاقية، أو تعزيز الشراكات مع شركات أخرى لتقاسم المخاطر. ومن جهة أخرى، قد تشجع على تطوير استراتيجيات تسعير أكثر مرونة، وربط أوثق بين النقل الجوي والقطاعات السياحية.

في المحصلة، لا تعكس قرارات تقليص الخطوط مجرد استجابة ظرفية لارتفاع الأسعار، بل تجسد تحولا أعمق في قواعد اللعبة داخل صناعة الطيران. وفي عالم تتقاطع فيه الجغرافيا السياسية مع اقتصاديات الطاقة، يبدو أن قدرة “لارام” على التكيف لن تحدد فقط أداءها المالي، بل أيضا موقع المغرب ضمن خريطة الربط الجوي الدولي في السنوات المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com