في السياسة، قد يختلف الناس حول البرامج، وحول الاقتصاد، وحول التعليم، وحتى حول تعريف الإصلاح نفسه. لكن يبدو أن جزءاً من النقاش العمومي المغربي قرر، في السنوات الأخيرة، أن يعود بنا إلى سؤال أكثر “إلحاحاً” من البطالة والتضخم والمدرسة العمومية: من ينحدر من مَن؟
مرة أخرى، يجد المغاربة أنفسهم أمام مشهد سياسي لا يخلو من الطرافة السوداء؛ شخصيات حزبية يفترض أنها نشأت داخل دولة حديثة، بمؤسسات ودستور وحدود معترف بها دولياً، تختار أن تبحث عن شرعيتها لا في حصيلتها السياسية، ولا في قدرتها على الإقناع، ولا حتى في قدرتها على الاعتذار… بل في شجرة نسب تمتد، على ما يبدو، آلاف الكيلومترات شرقاً، حيث الرمال أكثر وفرة من صناديق الاقتراع.
بعد “الاكتشاف الجيني” الذي قدمه مصطفى الرميد، حين وجد في تشابه لفظي ما يكفي لربط نفسه بـ”قريش”، جاء عبد الإله بنكيران ليضيف حلقة جديدة إلى مسلسل “من سيربح القبيلة”، معلناً، أو موحياً، بانتسابه إلى سعد بن عبادة الخزرجي، وكأن التاريخ الإسلامي لم يعد مادة للبحث الأكاديمي، بل منصة لتجديد بطاقة الانخراط الحزبي.
المفارقة ليست في الانتساب بحد ذاته، فالناس أحرار في تخيل أسلافهم كما يشاؤون، ما دام الأمر لا يمر عبر مختبرات الحمض النووي أو مقررات وزارة التربية. المفارقة الحقيقية أن هذا الخطاب يصدر عن تيارات لطالما قدمت نفسها باعتبارها حاملة لمشروع أخلاقي ووطني، قبل أن يتضح أن “الوطن”، بالنسبة للبعض، مجرد محطة عبور جغرافية، أما الانتماء الحقيقي فهناك… دائماً هناك، خلف البحر والصحراء، حيث تبدأ الحكاية وتنتهي الأسطورة.
حين يصبح السياسي المغربي منشغلاً بإثبات أنه خزرجي، أو قرشي، أو من سلالة من حضر سقيفة بني ساعدة، يصبح من المشروع أن نسأل: متى سيجد الوقت ليتذكر أنه منتخب من طرف مواطنين مغاربة، لا من طرف مجلس قبلي في القرن السابع الميلادي؟
الأمر يتجاوز مجرد النوستالجيا التاريخية. نحن أمام نمط تفكير يعكس أزمة أعمق: أزمة انتماء، أو بالأحرى أزمة تصالح مع الجغرافيا. فبعض النخب السياسية، رغم عقود من العمل داخل مؤسسات الدولة المغربية، ما تزال تتصرف وكأن المغرب مجرد فرع إداري تابع لذاكرة مشرقية أكبر، وأن الشرعية الثقافية لا تُكتسب من الأرض التي أنجبتك، بل من اسم يُروى في كتب التراث.
ولعل هذا ما يفسر، في أحيان كثيرة، ذلك الحماس المبالغ فيه تجاه قضايا تقع على بعد آلاف الكيلومترات، مقابل برودة تكاد تكون بيروقراطية عندما يتعلق الأمر بملفات السيادة الوطنية، أو الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمملكة. فحين يعيش العقل في مكان والجسد في مكان آخر، يصبح الانفصال السياسي نتيجة طبيعية، لا موقفاً ظرفياً.
الأكثر إثارة أن اختيار سعد بن عبادة تحديداً ليس بلا دلالة. الرجل، وفق الروايات التاريخية الإسلامية، كان جزءاً من واحدة من أكثر اللحظات توتراً في تاريخ السلطة الإسلامية المبكرة. استحضار هذا الاسم اليوم، باعتباره مصدر فخر سياسي، يكشف ربما عن انجذاب غير معلن إلى نموذج الزعامة الصاخبة، التي تفضل الحشد على البناء، والشعبوية على المؤسسة، والهتاف على التخطيط.
وهنا يكمن جوهر المسألة: بعض السياسيين لا يبحثون عن المستقبل… بل عن سلفٍ يمنحهم شرعية الحاضر.
لكن المغرب، لحسن الحظ، لم يُبنَ على الأنساب، بل على التراكم. لم يصمد عبر القرون لأن أبناءه بحثوا عن جذورهم خارج حدوده، بل لأنهم آمنوا بأن هذه الأرض بأمازيغيتها، وعربيتها، وأندلسيتها، وإفريقيتها، ومتوسطيتها ليست مجرد مكان للإقامة، بل مشروع حضاري كامل.
أما الذين ما زالوا يفتشون عن أسمائهم في دفاتر القبائل القديمة، فربما آن الأوان ليكتشفوا حقيقة بسيطة:
في القرن الحادي والعشرين، لا أحد يُقاس باسم جدّه… بل بما يتركه لوطنه.