لم تكن عودة الاتحاد الإفريقي بالنسبة للمغرب مجرد تصحيح لمسار دبلوماسي دام عقودا، بل كانت إعلاناً واضحاً عن ولادة عقيدة سياسية جديدة تنظر إلى إفريقيا باعتبارها العمق الاستراتيجي الحقيقي للمملكة، لا مجرد امتداد جغرافي أو مجال للمجاملات البروتوكولية. فمنذ تلك العودة سنة 2017، بدا أن الرباط قررت الانتقال من موقع المتفرج على التحولات الإفريقية إلى موقع الفاعل الذي يكتب جزءا من مستقبل القارة.
لقد فهم المغرب مبكرا أن إفريقيا الجديدة لا تعترف بالشعارات الإيديولوجية القديمة، بل بمن يملك القدرة على الاستثمار، وبناء الثقة، وتقديم الحلول الواقعية. ولهذا تحركت الدبلوماسية المغربية بمنطق الدولة التي تؤمن بأن النفوذ لا يصنع بالخطب الرنانة، وإنما بالمشاريع، والاتفاقيات، والبنوك، والطرق، وخطوط الطاقة، وتكوين الأئمة، وتبادل الخبرات.
ومن يتابع التحركات الملكية لـ الملك محمد السادس خلال السنوات الأخيرة، يدرك أن الأمر يتعلق برؤية استراتيجية متكاملة، لا بردود أفعال ظرفية. أكثر من ثلاثين دولة إفريقية زارها العاهل المغربي، وعشرات الاتفاقيات وُقّعت في مجالات الاقتصاد والزراعة والبنية التحتية والتكوين الديني والطاقة. وهي دينامية جعلت من المغرب شريكا يحظى بالثقة داخل عدد متزايد من العواصم الإفريقية.
في المقابل، تبدو الجزائر وكأنها لا تزال أسيرة خطاب سبعينيات القرن الماضي، حين كانت القارة الإفريقية ساحة لصراعات المحاور الإيديولوجية والحروب الباردة. وبينما اختار المغرب أن يدخل إفريقيا عبر بوابة التنمية والاستثمار والتعاون جنوب-جنوب، فضلت الجزائر الاستمرار في استنزاف مواردها الدبلوماسية والمالية في معركة سياسية خاسرة عنوانها معاداة الوحدة الترابية للمغرب.
فالجزائر أصبحت أحد أبرز معرقلي الاندماج المغاربي بسبب تمسكها بمواقف جامدة تجاه قضية الصحراء المغربية. فمنطقة المغرب العربي، التي كان يفترض أن تتحول إلى قطب اقتصادي قوي يضم أكثر من مئة مليون نسمة، لا تزال رهينة حسابات سياسية ضيقة وعقليات الحرب الباردة.
والأخطر من ذلك، أن الجزائر تبدو غير قادرة على استيعاب التحول العميق الذي تعرفه إفريقيا اليوم. فالدول الإفريقية لم تعد تبحث عن خطابات ثورية مستهلكة، بل عن شركاء قادرين على توفير الاستثمارات وفرص الشغل ونقل التكنولوجيا وتحقيق الأمن الغذائي والطاقي. وهو بالضبط ما فهمه المغرب واشتغل عليه بهدوء وفعالية.
يكفي النظر إلى الحضور المتصاعد لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط داخل القارة، أو التوسع الكبير لـ اتصالات المغرب في غرب ووسط إفريقيا، لفهم طبيعة المقاربة المغربية الجديدة. فالمملكة لا تدخل إفريقيا بمنطق الاستغلال، بل بمنطق الشراكة المتبادلة والمصالح المشتركة.
أما مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب، فهو ليس مجرد مشروع طاقي ضخم، بل إعادة رسم للخريطة الجيوسياسية لغرب إفريقيا. إنه مشروع يربط إفريقيا بأوروبا عبر بوابة مغربية، ويؤكد أن الرباط لم تعد تفكر بعقلية الحدود الضيقة، بل بعقلية القوة الإقليمية الصاعدة.
ولعل أكثر ما يزعج خصوم المغرب اليوم، ليس فقط نجاحه الاقتصادي أو الدبلوماسي، بل قدرته على توظيف ما يسمى بـ”القوة الناعمة”. فالمغرب نجح في تقديم نموذج ديني معتدل يحظى باحترام واسع داخل إفريقيا الفرنكوفونية، من خلال تكوين الأئمة والمرشدين الدينيين ونشر قيم الإسلام الوسطي المعتدل. وهي سياسة تمنح المملكة تأثيرا عميقا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.
وفي ملف الصحراء، تبدو النتائج أوضح من أي وقت مضى. فافتتاح عشرات القنصليات الإفريقية والأجنبية في مدينتي الداخلة والعيون لم يكن خطوة رمزية فقط، بل اعترافا سياسيا متزايدا بمغربية الصحراء، وانتصارا للدبلوماسية المغربية التي اختارت العمل الميداني بدل الصراخ الإعلامي.
اليوم، لم يعد السؤال المطروح هو: هل نجح المغرب في العودة إلى إفريقيا؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: كيف تمكن المغرب من التحول إلى أحد أبرز الفاعلين الجيوسياسيين في القارة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا؟
الجواب بسيط: لأن الرباط اختارت أن تبني النفوذ بالعقل والاستثمار والاحترام المتبادل، بينما لا يزال البعض يعتقد أن إفريقيا يمكن أن تُقاد بالشعارات القديمة والعداوات العقيمة.
لقد فهم المغرب أن المستقبل يُصنع في إفريقيا، ولذلك عاد إليها كدولة تعرف تماما ماذا تريد… وكيف تصل إليه.