دبلوماسية “الهيت” و”آش داك تمشي للزين”.. حين تتحول القنصليات إلى مهرجانات متنقلة
بوشعيب البازي
في عالم الدبلوماسية، هناك دول تعتمد على القوة الناعمة عبر مراكز الأبحاث، وأخرى تستثمر في الجامعات والفنون الرفيعة والسينما العالمية لتعزيز صورتها في الخارج. أما عند بعض قناصلنا الأفاضل، فيبدو أن هناك مدرسة جديدة آخذة في التشكل: “الدبلوماسية على إيقاع الشيخة طراكس”.
فقد ضجت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة بصور “الشيخة طراكس” وهي تشارك في نشاط بمدينة طراغونة الإسبانية، إلى جانب شخصيات دبلوماسية ورجال ونساء أعمال. صور كانت كافية لإشعال نقاش وطني لم تحققه أحياناً بعض البيانات الرسمية للقنصليات نفسها.
المفارقة ليست في حضور فنانة شعبية، فالمغرب بلد غني بتنوعه الثقافي، والفن الشعبي جزء لا يتجزأ من هويته الجماعية. لكن السؤال الذي طرحه كثيرون: هل أصبحت القنصليات تعتمد على “نظرية الشيخات” كأداة دبلوماسية جديدة؟
ففي الوقت الذي تسعى فيه مؤسسات دبلوماسية عبر العالم إلى استقطاب علماء وباحثين ومبدعين ومقاولين ناجحين لتعزيز صورة بلدانها، يبدو أن بعض المسؤولين عندنا اقتنعوا بأن أفضل وسيلة للتقرب من الجالية وإبهار الضيوف الأجانب هي الاستعانة بوجوه مثيرة للجدل، وكأننا أمام نسخة دبلوماسية من برنامج “لالة العروسة”، لكن بميزانية العلاقات الدولية.
المدافعون عن هذه الاختيارات يعتبرون أن الفن الشعبي المغربي يستحق الاعتراف والاحتفاء، وأن الدبلوماسية الثقافية لا ينبغي أن تقتصر على الموسيقى الأندلسية أو المعارض الفنية الراقية. وهو رأي يحمل جزءاً من الوجاهة، لأن الثقافة ليست حكراً على النخب، والشعبي بدوره يمثل شريحة واسعة من المجتمع.
لكن المشكلة لا تكمن في الفن الشعبي بحد ذاته، بل في غياب معايير واضحة تحدد طبيعة المشاركات داخل الفضاءات ذات الطابع الرسمي أو شبه الرسمي. فحين تصبح الدعوات تخضع لمنطق “من يحقق أكبر عدد من المشاهدات على إنستغرام” بدل معيار القيمة المضافة لصورة البلد، يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن بصدد ممارسة دبلوماسية ثقافية أم مجرد البحث عن “البوز”؟
فالقنصلية ليست قاعة أفراح، والقنصل ليس منشط حفلات، والتمثيل الدبلوماسي لا ينبغي أن يتحول إلى سباق نحو التقاط صور تذكارية مع شخصيات تثير الجدل أكثر مما تثير الإعجاب.
المثير للسخرية أن بعض هؤلاء المسؤولين قد يترددون ألف مرة قبل دعوة أستاذ جامعي مغربي متميز، أو باحث حقق إنجازاً علمياً، أو مقاول شاب نجح في بناء مشروع دولي، لكنهم لا يجدون أي حرج في فتح أبواب المناسبات الرسمية أمام شخصيات يدور حولها جدل واسع، وكأن معيار النجاح أصبح يقاس بعدد المتابعين لا بعدد الإنجازات.
لا أحد يطالب بإقصاء الفنانين الشعبيين من الفضاء العام، فذلك سيكون ظلماً واختزالاً للثقافة المغربية في قوالب نخبوية ضيقة. غير أن الدبلوماسية ليست مسابقة لاختيار أكثر الشخصيات إثارة للانتباه، بل هي فن تمثيل الدولة بأفضل صورة ممكنة.
وربما حان الوقت لبعض قناصلنا لإعادة قراءة اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، فقط للتأكد من أن بنودها لا تتضمن فصلاً سقط سهواً بعنوان: “كيفية توظيف الشيخات في تعزيز القوة الناعمة للمملكة”.
إلى ذلك الحين، يبقى السؤال معلقاً: هل نحن أمام استراتيجية دبلوماسية مبتكرة لم تكتشفها بعد كبريات مدارس العلاقات الدولية، أم أننا ببساطة أمام اجتهادات فردية تؤكد أن بعض المسؤولين يخلطون بين مفهوم “الترويج لصورة الوطن” و**“صناعة الفرجة”؟**
في انتظار الجواب، يبدو أن وزارة الخارجية مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بوضع بوصلة واضحة للدبلوماسية الثقافية المغربية، حتى لا نستيقظ يوماً على خبر تنظيم منتدى اقتصادي دولي يفتتح بالنقاش حول آخر “ترند” على مواقع التواصل الاجتماعي، بدل مناقشة فرص الاستثمار والتعاون والشراكات الاستراتيجية.
لأن هيبة الدولة، في نهاية المطاف، تُبنى بالكفاءة والرصانة وحسن التقدير… لا بعدد الإعجابات والتعليقات الساخرة عبر الإنترنت.
:::