منع مغاربة العالم من السفر بسبب بيانات جوازات السفر: بين غياب الشفافية وإشكالية المسؤولية القانونية

بقلم: بوشعيب البازي

أثار منع عدد من المغاربة المقيمين بالخارج من السفر نحو بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها بلجيكا، بسبب عدم تضمين جوازات سفرهم لتاريخ الميلاد كاملاً (اليوم والشهر)، موجة من الاستياء والتساؤلات القانونية والدبلوماسية حول الأساس الذي استندت إليه شركات الطيران في تطبيق هذا الإجراء بشكل مفاجئ.

وتفيد شهادات عدد من المسافرين بأنهم فوجئوا، خلال الأيام الأخيرة، برفض السماح لهم بالصعود إلى الطائرات التابعة للخطوط العربية الجوية، بدعوى أن جوازات سفرهم المغربية لا تتضمن تاريخ الميلاد كاملاً، وهو ما اعتبرته الشركة شرطاً ضرورياً للولوج إلى بعض الدول الأوروبية. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في مضمون القرار، بل في غياب أي تواصل رسمي أو مؤسساتي يوضح مصدره القانوني وآليات تطبيقه.

فوفق المعطيات التي تم التوصل إليها من خلال اتصالات مع مصادر دبلوماسية، فإن السلطات القنصلية المغربية المعنية لم تتوصل بأي إشعار رسمي صادر عن السلطات البلجيكية أو الأوروبية يفيد بإقرار مثل هذا الإجراء. كما أن مثل هذه القرارات المرتبطة بشروط الدخول إلى أراضي الدول تخضع، عادة، لمساطر قانونية وإدارية دقيقة، تشمل إخطار البعثات الدبلوماسية، وتحيين قواعد بيانات شركات النقل الجوي، ونشر بلاغات رسمية موجهة إلى العموم.

وفي هذا السياق، يطرح غياب أي إعلان رسمي من الجانب البلجيكي عدة تساؤلات حول مدى قانونية الإجراء المتخذ من قبل شركة الطيران، خاصة وأن مسؤولي الشركة يبررون القرار بكونه “تعليمة بلجيكية”، مؤكدين أن عدم الامتثال لها قد يعرض الناقل الجوي لغرامات مالية.

من الناحية القانونية، تتحمل شركات النقل الجوي مسؤولية التأكد من استيفاء المسافرين لشروط الدخول إلى وجهاتهم النهائية، وذلك وفق قواعد “مسؤولية الناقل” المعمول بها دولياً. غير أن هذه المسؤولية لا تمنحها صلاحية فرض قيود جديدة أو اعتماد تأويلات أحادية للنصوص القانونية دون وجود مرجعيات رسمية واضحة وقابلة للتحقق.

وفي حال وجود توجيهات جديدة صادرة عن السلطات البلجيكية أو الأوروبية، فإن الأعراف الدبلوماسية والإدارية تقتضي تعميمها عبر القنوات الرسمية، بما في ذلك وزارات الخارجية، والبعثات الدبلوماسية، وإدارات الهجرة، وشركات الطيران، مع منح فترة انتقالية كافية تسمح للمواطنين بتسوية أوضاعهم الإدارية.

فشروط الولوج إلى أراضي الدول ليست تدابير ظرفية يتم فرضها بين ليلة وضحاها، بل هي إجراءات سيادية ذات انعكاسات مباشرة على حرية التنقل وحقوق الأفراد، وتستلزم وضوحاً قانونياً وتطبيقاً تدريجياً يراعي أوضاع المسافرين الذين حصلوا على وثائق سفرهم وفق القوانين المعمول بها في بلدانهم الأصلية.

كما أن أي إجراء من هذا القبيل، إذا كان مرتبطاً فعلاً بمعايير أمنية أو تقنية أوروبية، لا يمكن أن يستهدف المواطنين المغاربة وحدهم، بل ينبغي أن يشمل جميع الجنسيات التي تحمل وثائق سفر لا تتضمن البيانات المطلوبة وفق المعايير الجديدة. وهو ما يفتح الباب أمام فرضية وجود سوء فهم أو تطبيق انتقائي من طرف بعض شركات الطيران.

ومن منظور جيوستراتيجي، تكتسي هذه القضية أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة الجالية المغربية المقيمة بأوروبا، والتي تمثل أحد أهم جسور التواصل الاقتصادي والثقافي والإنساني بين المغرب وشركائه الأوروبيين. وأي اضطراب في حركة تنقل هذه الجالية من شأنه أن ينعكس سلباً على الثقة في منظومة التنقل الدولي، ويؤثر على العلاقات بين المواطنين والمؤسسات المكلفة بتدبير الهجرة والتنقل العابر للحدود.

كما أن غياب التواصل المؤسساتي في مثل هذه الملفات الحساسة يساهم في انتشار الإشاعات وتضارب الروايات، ويؤدي إلى تحميل المسافرين تبعات قرارات غير واضحة المعالم، سواء تعلق الأمر بخسائر مالية مرتبطة بإلغاء الرحلات أو بآثار نفسية ناجمة عن المنع المفاجئ من السفر.

وأمام هذا الوضع، تبدو الحاجة ملحة إلى إصدار توضيحات رسمية من جميع الأطراف المعنية. فمن حق المواطنين معرفة ما إذا كان الأمر يتعلق فعلاً بقرار صادر عن السلطات البلجيكية أو الأوروبية، أم أنه إجراء احترازي اتخذته شركة الطيران بناءً على تقديراتها الخاصة لتفادي أي مسؤولية محتملة.

كما يتعين على الخطوط العربية الجوية، في إطار مسؤوليتها تجاه زبنائها، الكشف عن الجهة الرسمية التي أبلغتها بهذا الإجراء، ونشر الوثائق أو التعليمات التي استندت إليها في منع المسافرين من السفر، خاصة في ظل عدم وجود أي بلاغ منشور على موقعها الرسمي أو عبر قنواتها التواصلية المعتمدة.

إن احترام سيادة الدول في تحديد شروط الدخول إلى أراضيها لا يتعارض مع ضرورة احترام حقوق المسافرين في الحصول على معلومات دقيقة وواضحة وفي الوقت المناسب. فإدارة قضايا الهجرة والتنقل الدولي لا تقوم فقط على مقتضيات الأمن والامتثال القانوني، بل تعتمد أيضاً على مبادئ الشفافية واليقين القانوني وحسن التواصل المؤسساتي.

ويبقى السؤال الجوهري مطروحاً: هل نحن أمام قرار سيادي أوروبي لم يتم الإعلان عنه بالشكل المطلوب، أم أمام اجتهاد أحادي من شركة طيران اختارت تغليب منطق الاحتياط المفرط على حساب حق المسافرين في التنقل والمعرفة؟

إلى أن تتضح الصورة بشكل رسمي، تبقى الجالية المغربية في حاجة إلى إجابات واضحة، بعيداً عن التصريحات المتضاربة والتفسيرات غير الموثقة، حماية لحقوقها وصوناً لمبدأ الثقة الذي ينبغي أن يحكم العلاقة بين المواطنين ومؤسسات النقل الدولي.
:::

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com