أنا والسفير ونجاة اعتابو… حين تتقاطع أولويات الدبلوماسية مع انتظارات الجالية

بقلم: سمير شوقي

Screenshot

أثار ظهور إحدى الشخصيات المثيرة للجدل في مناسبة دبلوماسية بإسبانيا، وتقديمها كلمة بحضور ممثلين رسميين مغاربة، موجة واسعة من النقاش والاستياء على منصات التواصل الاجتماعي. وقد رأى البعض في ذلك مؤشراً على خلل في تقدير طبيعة الفضاءات الدبلوماسية وما تقتضيه من رمزية ومكانة اعتبارية. غير أن هذه الواقعة، بالنسبة لي، لم تكن مفاجئة، بل أعادت إلى ذهني تجارب سابقة عشتها شخصياً، جعلتني أتساءل عن طبيعة الأولويات التي تحكم عمل بعض التمثيليات الدبلوماسية المغربية في الخارج.

في أبريل 2017، وفي إطار إدارتي للمجموعة الإعلامية Horizon Press، بادرنا إلى تنظيم ندوة اقتصادية كبرى ببروكسيل تحت عنوان: “فرص الاستثمار في المملكة المغربية”. وقد جاءت هذه المبادرة انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الجالية المغربية المقيمة بالخارج، إلى جانب المستثمرين الأوروبيين، تمثل رافعة استراتيجية لتعزيز جاذبية الاقتصاد المغربي واستقطاب رؤوس الأموال والخبرات.

ولإنجاح هذا الموعد، تمت دعوة ثلاثة مسؤولين كبار من قطاع الاستثمار بالمغرب لتقديم عروض متخصصة حول الإمكانيات الاقتصادية التي توفرها المملكة، والإصلاحات المؤسساتية الهادفة إلى تحسين مناخ الأعمال. وقد تكفلت المجموعة الإعلامية بجميع المصاريف المرتبطة بالتنظيم، بما في ذلك تذاكر السفر والإقامة والتنقلات الداخلية وحفل الاستقبال.

شهدت الندوة حضوراً وازناً تجاوز 120 مشاركاً، نصفهم من أفراد الجالية المغربية المقيمة ببلجيكا، فيما مثل النصف الآخر مستثمرين ورجال أعمال من بلجيكا وفرنسا وهولندا. وتميز اللقاء بنقاشات معمقة وتفاعل إيجابي عكس الاهتمام المتزايد بالفرص الاقتصادية التي يتيحها المغرب.

غير أن المشهد لم يخلُ من مفارقة أثارت استغراب العديد من الحاضرين، تمثلت في مغادرة السفير المغربي قاعة الندوة بعد أقل من عشر دقائق على انطلاقها، دون تقديم أي توضيح، رغم الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية للحدث.

بعد انتهاء اللقاء، تقدم نحوي رئيس إحدى الجمعيات المغربية في بلجيكا مستفسراً عما إذا كانت السفارة قد ساهمت في تمويل الندوة أو دعمها لوجستياً. وحين أخبرته بأن المبادرة كانت مستقلة بالكامل ولم تتلق أي دعم رسمي، عبر عن دهشته، مشيراً إلى أن السفارة نفسها كانت قد تكفلت، قبل فترة وجيزة، بتمويل نشاط فني للفنانة نجاة اعتابو ، وفق ما كان متداولاً داخل أوساط الجالية آنذاك.

من باب الإنصاف، لم نتقدم بأي طلب دعم رسمي إلى السفارة، لأن المشروع كان في الأصل مبادرة خاصة مستقلة. كما أن عدم حصولنا على تمويل لم يكن مصدر انزعاج بالنسبة لنا. غير أن ما أثار التساؤل حقاً هو طبيعة الأولويات التي تحكم توزيع الجهد والاهتمام داخل بعض البعثات الدبلوماسية.

فالدبلوماسية الحديثة لم تعد تقتصر على الأدوار التقليدية المرتبطة بالتمثيل السياسي والقنصلي، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على أدوات الدبلوماسية الاقتصادية والقوة الناعمة لتعزيز النفوذ الوطني وتحسين صورة الدولة وجذب الاستثمارات والشراكات الاستراتيجية. وفي هذا السياق، يفترض أن تحظى المبادرات التي تسعى إلى تعبئة كفاءات الجالية واستقطاب المستثمرين بمكانة متقدمة ضمن الأجندة الدبلوماسية.

إن الإشكال لا يتعلق بالفن الشعبي في حد ذاته، فهو جزء أصيل من الهوية الثقافية المغربية ويمثل أحد مكونات قوتها الناعمة عندما يوظف في السياقات المناسبة. وإنما يكمن في غياب التوازن بين الدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية الاقتصادية، وفي كيفية ترتيب الأولويات بما يخدم المصالح الاستراتيجية للمملكة.

لقد سبق أن عشت انطباعات مشابهة خلال زيارة إلى ستوكهولم سنة 2015، في فترة كانت العلاقات المغربية السويدية تمر بمرحلة دقيقة وحساسة. ومنذ ذلك الحين، ترسخت لدي قناعة بأن نجاح الدبلوماسية المغربية في المستقبل لن يقاس فقط بقدرتها على تنظيم الأنشطة البروتوكولية والثقافية، وإنما أيضاً بمدى مساهمتها الفعلية في الدفاع عن القضايا الوطنية، ومواكبة التحولات الاقتصادية العالمية، وتعزيز ارتباط الجالية بمشاريع التنمية الوطنية.

يبقى السؤال مشروعاً: كيف يمكن للتمثيليات الدبلوماسية المغربية أن تحقق التوازن المطلوب بين إبراز الموروث الثقافي الوطني، وهو أمر مشروع وضروري، وبين الاضطلاع بأدوارها الاستراتيجية في مجال الدبلوماسية الاقتصادية والترافع حول القضايا الوطنية؟

إن قوة الدول في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس فقط بما تملكه من أدوات تقليدية للنفوذ، بل أيضاً بقدرتها على توظيف مواردها البشرية وشبكاتها المجتمعية بالخارج لخدمة أهدافها التنموية والجيوسياسية.

أما الجالية المغربية المقيمة بالخارج، التي راكمت خبرات واسعة وشبكات علاقات مؤثرة، فإنها لا تنتظر سوى أن تُعامل باعتبارها شريكاً استراتيجياً في مشروع المغرب التنموي، لا مجرد جمهور لأنشطة مناسباتية عابرة.

وفي انتظار ذلك، قد يبدو للبعض أن صدى “العيطة” يظل أحياناً أعلى من وقع النقاشات المتعلقة بالاستثمار والترافع حول المصالح الوطنية.

ويبقى الأمل قائماً في أن تتجه الدبلوماسية المغربية، في مختلف تمثيلياتها، نحو إعادة ترتيب أولوياتها بما ينسجم مع التحديات الجيوستراتيجية والاقتصادية التي تواجه المملكة في محيط إقليمي ودولي شديد التحول.

ويبقى من حق الرأي العام أيضاً أن يتساءل عن مدى نجاعة استقرار بعض المسؤولين الدبلوماسيين في مناصبهم لمدد طويلة، وعن انعكاس ذلك على دينامية الأداء وتجديد المقاربات، في إطار نقاش مؤسساتي هادئ ومسؤول حول تحديث العمل الدبلوماسي المغربي.

:::

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com