في دهاليز العمل القنصلي… حين تصنع النساء هيبة الدولة

بوشعيب البازي

في عالم الدبلوماسية والقنصليات، لا تُقاس قيمة المسؤول فقط بالرتبة أو البروتوكول، بل بقدرته على فرض الانضباط، وبناء الثقة، وتحويل الإدارة إلى خلية عمل تُشعر المواطن بأن الدولة حاضرة إلى جانبه، لا فوقه. ومن خلال متابعتي الصحفية لما يجري داخل القنصلية المغربية بمدينة Liège، كان من اللافت أن بعض التجارب النسائية في تدبير الشأن القنصلي استطاعت أن تخلق دينامية مختلفة، قائمة على الصرامة في احترام التعليمات، والانضباط الإداري، والعمل بروح جماعية تتجاوز الحسابات الشخصية الضيقة.

ما يثير الانتباه ليس فقط طريقة تدبير الملفات، بل الروح التي تُدار بها المؤسسة. هناك فرق واضح بين إدارة تعتبر المنصب امتيازًا، وأخرى تنظر إليه كتكليف وطني. وحين تتولى بعض النساء المسؤولية داخل الإدارة القنصلية، يظهر ذلك الحسّ العملي الذي يجمع بين الحزم والالتزام، وبين احترام القانون والقدرة على فرض النظام دون ضجيج. لقد بدا المشهد داخل القنصلية وكأنه ورشة عمل دائمة، أو بالأحرى كتيبة منظمة تدرك أن خدمة الجالية ليست مجرد إجراء إداري، بل معركة يومية للحفاظ على صورة الدولة المغربية في الخارج.

هذا الانضباط لا يروق للجميع بطبيعة الحال. فكل محاولة لإصلاح الإدارة، أو إعادة الاعتبار للمرفق العمومي، تصطدم دائمًا بمصالح متشابكة، وبأشخاص اعتادوا استغلال الثغرات والفراغات الإدارية لخدمة مصالحهم الخاصة. وفي العالم القنصلي تحديدًا، تظهر معادلة معقدة؛ فالقنصل يتغير غالبًا كل أربع سنوات، بينما يبقى بعض الموظفين لعقود في دول الإقامة، ينسجون علاقات واسعة مع محيطهم المحلي، ويكتسبون نفوذًا غير معلن قد يتجاوز أحيانًا نفوذ المسؤول نفسه.

هنا تبدأ الإشكالية الحقيقية. فبدل أن ينسجم الجميع خلف مشروع خدمة الجالية والوطن، يتحول بعض الموظفين إلى مراكز قوة تحاول فرض قواعدها الخاصة على كل قنصل جديد. وإذا صادفوا مسؤولًا ضعيفًا أو باحثًا عن الراحة، نجحوا في تطويعه وإدخاله في دوامة المجاملات والتوازنات الشخصية. أما إذا وجدوا مسؤولًا يؤمن بالإصلاح والانضباط، فإنهم يعتبرونه تهديدًا مباشرًا لمصالحهم، فيبدأ مسلسل التشويش ومحاولات إفراغ العمل القنصلي من محتواه.

وللأسف، شهدت بعض التمثيليات القنصلية في مراحل سابقة نماذج لمسؤولين انساقوا وراء هذا الواقع، فاختاروا مسايرة بعض المراوغين داخل الإدارة، وفتحوا الباب أمام منطق الاسترزاق وتبادل المصالح، بدل ترسيخ ثقافة المرفق العمومي. لكن، في المقابل، هناك أيضًا مسؤولون ومسؤولات جاؤوا من مدارس حقيقية داخل وزارة الشؤون الخارجية المغربية، تربّوا على الانضباط المؤسساتي، وتشبعوا بفكرة أن خدمة الوطن ليست شعارًا مناسباتيًا، بل سلوك يومي وتضحية مستمرة.

هؤلاء لا يبحثون عن الثغرات القانونية، ولا يتقنون لعبة الالتفاف على النصوص، بل يتحركون بمنطق واحد: خدمة الصالح العام، حتى وإن كان الثمن الاصطدام بالمقربين أو فقدان الامتيازات الشخصية. إنهم يشبهون، في كثير من التفاصيل، الجنود الذين تربّوا على أن الواجب يسبق العلاقات، وأن هيبة الدولة لا تُبنى بالخطب، بل بالانضباط والقدرة على اتخاذ القرار.

ومن هنا، تبدو الحاجة اليوم ملحّة إلى إعادة النظر في فلسفة التعيينات داخل الإدارة القنصلية المغربية. فالجالية المغربية بالخارج لم تعد تقبل بإدارة تقليدية تُدار بمنطق الولاءات أو التوازنات الضيقة، بل تحتاج إلى كفاءات تمتلك الشجاعة الأخلاقية قبل الكفاءة التقنية، وتؤمن بأن صورة المغرب في الخارج تبدأ من طريقة استقبال مواطن داخل قنصلية.

إن وزير الشؤون الخارجية السيد ناصر بوريطة أمام تحدٍّ حقيقي، ليس فقط في تحديث الدبلوماسية المغربية، بل أيضًا في حماية المرفق القنصلي من شبكات المصالح الصغيرة التي تُفرغ أي مشروع إصلاحي من معناه. فالمرحلة الحالية تتطلب مسؤولين قادرين على فرض الانضباط، وتحمل الضغط، والدفاع عن المصلحة الوطنية دون حسابات شخصية، حتى وإن تركوا خلفهم فراغًا داخل الإدارة المركزية بسبب كفاءتهم العالية.

لقد أثبتت بعض التجارب النسائية داخل العمل القنصلي أن الإدارة ليست مسألة سلطة فقط، بل مسألة ثقافة ومسؤولية وضمير مهني. وعندما تجتمع الكفاءة بالانضباط والإحساس الوطني، يصبح المرفق العمومي أكثر من مجرد إدارة… يصبح صورة حقيقية للوطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com