بين الانضباط التكتيكي والانهيار الإداري: لماذا خسر منتخب مصر مباراة كانت في متناول اليد؟

بوشعيب البازي

في كرة القدم الحديثة، لا تُقاس قيمة المنتخبات بما تقدمه خلال ساعة من اللعب، وإنما بقدرتها على إدارة المباراة حتى صافرة النهاية. وهذا ما افتقده المنتخب المصري في مواجهته أمام الأرجنتين، بعدما قدم لاعبوه عرضاً فنياً يستحق الإشادة، قبل أن تنهار المنظومة بأكملها في الدقائق الأخيرة، لتضيع نتيجة كانت أقرب إلى الإنجاز منها إلى مجرد انتصار عابر.

لا يمكن إنكار أن لاعبي المنتخب المصري ظهروا بشخصية قوية طوال أغلب فترات اللقاء. فقد نجحوا في فرض إيقاعهم، وأغلقوا المساحات أمام أحد أكثر المنتخبات جودة على المستوى الفردي والجماعي، كما أظهروا انضباطاً دفاعياً وروحاً قتالية عالية. وحتى الدقيقة الثامنة والسبعين، كانت مصر تمسك بزمام المباراة وتقترب من كتابة صفحة جديدة في تاريخها الكروي.

غير أن كرة القدم ليست مجرد أداء بدني أو مهاري، بل هي قبل كل شيء فن إدارة التفاصيل الدقيقة، وهي النقطة التي تحولت فيها المباراة من قصة نجاح إلى درس قاسٍ في سوء التدبير الفني.

لقد كشفت الدقائق الأخيرة عن محدودية القراءة التكتيكية للجهاز الفني بقيادة حسام حسن. فبدلاً من تهدئة نسق اللعب، وإعادة تنظيم الخطوط، وإجراء تغييرات تخدم الحفاظ على التقدم، بدت القرارات متأخرة وغير منسجمة مع مجريات اللقاء. كما افتقد المنتخب إلى المرونة التكتيكية التي تسمح بامتصاص ضغط المنافس عندما يدخل المباراة في مرحلتها الحاسمة.

وفي الوقت الذي كانت فيه الأرجنتين تستثمر خبرتها، وتغير أسلوبها وفق متطلبات المباراة، بدا المنتخب المصري أسير ردود الفعل، دون خطة واضحة لإدارة أفضلية ثمينة تحققت بشق الأنفس.

ولا يتعلق الأمر فقط بالجوانب الفنية، بل أيضاً بطريقة التعامل مع الضغوط. فالمدرب في مثل هذه المواجهات مطالب بأن يكون مصدر هدوء وثقة، وأن ينقل هذا الاتزان إلى لاعبيه. أما عندما تتحول لحظات التوتر إلى احتجاجات وانفعالات ومشاحنات جانبية، فإن الرسالة التي تصل إلى الفريق تكون سلبية، وتفقد المجموعة تركيزها في أكثر اللحظات حساسية. فالمباريات الكبرى تُحسم بالعقل البارد قبل الحماس، وبالقدرة على ضبط الأعصاب قبل رفع الصوت.

إن الانتقادات الموجهة إلى حسام حسن لا ينبغي أن تُفهم بوصفها استهدافاً شخصياً، وإنما تقييماً فنياً لأداء جهاز تدريبي لم ينجح في إدارة مباراة كانت بين يديه. فحين يكون الفريق متقدماً حتى الدقيقة الثامنة والسبعين ثم يخسر اللقاء، فإن المسؤولية الأولى تقع على من يدير المباراة من المنطقة الفنية، لأن الحفاظ على النتيجة يحتاج إلى رؤية تكتيكية وخبرة في قراءة تحولات المنافس أكثر مما يحتاج إلى الحماس والانفعال.

في المقابل، يستحق لاعبو المنتخب المصري الإشادة على ما قدموه من التزام وروح تنافسية طوال معظم فترات اللقاء. لقد أثبتوا أنهم قادرون على مجاراة كبار المنتخبات عندما تتوفر لهم منظومة فنية مستقرة وخطة واضحة. غير أن جهود اللاعبين لا يمكن أن تؤتي ثمارها إذا لم تجد قيادة قادرة على توظيفها وإدارة تفاصيل المباريات الكبرى بكفاءة.

لقد خرجت مصر من المباراة بخسارة مؤلمة، لكنها خرجت أيضاً برسالة أكثر أهمية: امتلاك اللاعبين الموهوبين لا يكفي لتحقيق الإنجازات، بل لا بد من جهاز فني يمتلك أدوات القيادة الحديثة، والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، وإدارة المباريات بعقلية تنافسية رفيعة. فالفرق الكبرى لا تنتصر فقط لأنها تملك نجوماً، وإنما لأنها تعرف كيف تحافظ على تفوقها عندما تقترب ساعة الحسم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com