بين الشواطئ الإسبانية والسواحل المغربية: لماذا يختار آلاف المغاربة قضاء عطلتهم الصيفية خارج الوطن؟

بوشعيب البازي

Screenshot

كل صيف، تتجدد المفارقة نفسها على ضفتي البحر الأبيض المتوسط. فمن جهة، تمتد السواحل الإسبانية على مئات الكيلومترات في مشهد يتسم بالتنظيم وجودة التجهيزات، بينما تشهد العديد من الشواطئ المغربية اكتظاظًا كبيرًا يترك انطباعًا لدى عدد من المصطافين بأن الاستمتاع بالعطلة الصيفية أصبح أكثر صعوبة. وهذه المفارقة تطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا يفضل عدد متزايد من المغاربة قضاء عطلتهم في إسبانيا، رغم أن المغرب يتوفر على أحد أطول وأغنى الخطوط الساحلية في المنطقة؟

إن المقارنة لا تتعلق بجمال الطبيعة، فالسواحل المغربية تزخر بشواطئ ذات مؤهلات استثنائية، تمتد على الواجهة المتوسطية والأطلسية، وتتميز بتنوعها البيئي والمناظر الطبيعية التي لا تقل جاذبية عن نظيرتها الإسبانية. غير أن الفارق يكمن، في نظر كثير من الزوار، في طريقة تهيئة الفضاءات الساحلية وتدبيرها.

فعلى امتداد الساحل الإسباني، سواء داخل المدن أو خارجها، يجد المصطاف بنية تحتية متكاملة تشمل ممشى ساحليًا مجهزًا، ومطاعم ومقاهي متنوعة، ومرافق صحية، ودورات مياه نظيفة، ورشاشات للاستحمام، ومناطق للرياضة والاستجمام، ومساحات خضراء، ومواقف للسيارات، مع سهولة الولوج إلى الشاطئ للأشخاص في وضعية إعاقة وكبار السن. هذه الخدمات تجعل الشاطئ فضاءً عموميًا متكاملًا يقضي فيه الزائر يومًا كاملًا في ظروف مريحة.

كما أن العديد من هذه الخدمات الأساسية، مثل الرشاشات العمومية والمرافق الصحية، تكون متاحة مجانًا، في حين تُسعّر الخدمات التجارية، كالمطاعم والمقاهي، بأسعار يعتبرها كثير من الزوار معقولة مقارنة بجودة الخدمة المقدمة.

وفي المقابل، يرى عدد من المصطافين أن جزءًا مهمًا من الساحل المغربي ما زال في حاجة إلى مزيد من الاستثمار في التهيئة والتوزيع المتوازن للخدمات. فبدل استغلال الامتداد الساحلي الواسع لتوزيع الحركة السياحية، يتركز الإقبال على عدد محدود من الشواطئ، ما يؤدي إلى اكتظاظ كبير ينعكس على جودة التجربة، سواء من حيث النظافة أو سهولة التنقل أو الاستفادة من المرافق.

ولا يقتصر النقاش على البنية التحتية، بل يمتد إلى الكلفة المالية للعطلة. فبحسب تجارب عدد من المسافرين، يمكن لعائلة مكونة من خمسة أشخاص تناول وجبة سمك في أحد المطاعم الساحلية بإسبانيا بحوالي 60 يورو، بينما قد تكون كلفة وجبة مماثلة في بعض الوجهات السياحية المغربية أعلى بكثير، وقد تصل في بعض الحالات إلى نحو 150 يورو، بحسب المدينة والموسم ونوعية المطعم. وهذه الفوارق في الأسعار تدفع العديد من الأسر إلى إعادة تقييم وجهتها السياحية، خصوصًا عندما تقارن بين التكلفة وجودة الخدمات.

ومن بين الملاحظات التي يرددها عدد من المصطافين أيضًا، الإشكالات المرتبطة ببعض الممارسات التي قد تواجههم في بعض الشواطئ المغربية، مثل صعوبة إيجاد مواقف منظمة للسيارات أو التعامل مع أشخاص يفرضون مقابلاً ماليًا مقابل ركن السيارات دون إطار واضح، إضافة إلى مظاهر أخرى يعتبرها البعض مؤثرة في راحة الزائر. وفي المقابل، يعتمد جزء كبير من الشواطئ الإسبانية على تنظيم واضح للمواقف والخدمات، بما يعزز شعور المصطاف بالراحة والوضوح.

إن المنافسة السياحية اليوم لم تعد تعتمد فقط على جمال البحر أو نقاء الرمال، بل أصبحت تقوم على جودة التجربة التي يعيشها الزائر منذ لحظة وصوله وحتى مغادرته. فالسائح، سواء كان أجنبيًا أو مواطنًا، يبحث عن الأمن والنظافة وسهولة الولوج والأسعار المعقولة والخدمات المتوفرة، وهي عناصر أصبحت معيارًا أساسيًا في اختيار الوجهة السياحية.

ولذلك، فإن المغرب، بما يمتلكه من مؤهلات طبيعية استثنائية، مدعو إلى تسريع برامج تهيئة سواحله وفق رؤية تنموية متكاملة تجعل الشاطئ فضاءً اقتصاديًا وسياحيًا واجتماعيًا، لا مجرد مكان موسمي للاصطياف. فالاستثمار في البنية التحتية الساحلية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز التنظيم، وضمان شفافية الأسعار، وتوفير المرافق الأساسية، كلها عوامل من شأنها أن تجعل السائح المغربي يختار قضاء عطلته داخل وطنه، وأن تعزز في الوقت نفسه جاذبية المملكة لدى السياح الأجانب.

إن نجاح التجربة الإسبانية لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى تراكم سياسات عمومية جعلت من الساحل فضاءً منظمًا ومتاحًا للجميع. وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم هو: كيف يمكن للمغرب أن يحول ثروته الساحلية الهائلة إلى رافعة حقيقية للتنمية السياحية، بدل أن يواصل جزء من مواطنيه البحث عن هذه التجربة على الضفة الأخرى من البحر؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com