عندما يصبح النجاح هدفاً للحملات الرقمية… سعيد أبرنوص نموذجاً لحرب التأثير على المؤثرين المغاربة

في عالم أصبحت فيه شبكات التواصل الاجتماعي ساحةً للتأثير وصناعة الرأي العام، لم يعد النجاح يقتصر على عدد المتابعين أو نسب المشاهدة، بل تحول أيضاً إلى عامل يجذب المنافسة الحادة، وأحياناً إلى حملات منظمة من الإساءة والتشهير والتنمر الإلكتروني. وفي هذا السياق، يبرز اسم المؤثر المغربي سعيد أبرنوص باعتباره أحد الوجوه التي أثارت اهتماماً واسعاً داخل الفضاء الرقمي المغربي، وهو ما جعله، وفق ما يتداوله متابعوه، عرضةً لحملات متكررة من الإساءة والسب والاستفزاز عبر منصات التواصل.

لقد أفرزت البيئة الرقمية جيلاً جديداً من الصراعات، لم تعد تُخاض بالحجة أو بالنقاش الفكري، وإنما بحسابات مجهولة، وتعليقات عدائية، ورسائل تهديد، ومحاولات مستمرة لإغراق الصفحات بالمحتوى المسيء. وتشير الأدبيات المتخصصة إلى أن التنمر الإلكتروني يعتمد غالباً على التكرار، والتشهير، والإهانة، والتهديد، وانتحال الهوية، بهدف إنهاك المستهدف نفسياً أو تقويض حضوره الرقمي.

وكلما ارتفع سقف التأثير الذي يحققه صانع المحتوى، ارتفع معه مستوى الاستهداف. فالمعادلة في الاقتصاد الرقمي بسيطة؛ كل متابع جديد يعني نفوذاً أكبر، وكل نفوذ أكبر يعني منافسة أشد. ولهذا أصبحت بعض الحسابات، سواء كانت فردية أو منسقة، تلجأ إلى أساليب تقوم على الاستفزاز الدائم، وتحويل التعليقات إلى فضاء للإهانة، واستعمال الشتائم والاتهامات الشخصية بدل مناقشة المحتوى نفسه.

المثير في هذه الظاهرة أن كثيراً من هذه الحسابات لا تقدم محتوى حقيقياً، بل تجعل من مهاجمة الآخرين مشروعها الوحيد. فبدل الاستثمار في الإبداع، تختار الاستثمار في الضجيج، وبدل بناء جمهور بالإنتاج، تحاول الوصول إليه عبر مهاجمة من نجح في تكوين قاعدة جماهيرية واسعة.

هذه الممارسات لا تستهدف شخصاً بعينه بقدر ما تعكس أزمة أعمق داخل الثقافة الرقمية، حيث أصبح البعض يعتبر أن الشهرة تُنتزع بإسقاط الآخرين، لا ببناء الذات. ومع تطور أدوات التواصل، بات بالإمكان تنفيذ حملات إساءة واسعة باستخدام حسابات متعددة أو أسماء مستعارة، الأمر الذي يصعب أحياناً التمييز بين النقد المشروع والسلوك المنظم الذي يهدف إلى التشهير أو الترهيب.

ولا يعني ذلك أن الشخصيات العامة أو المؤثرين فوق النقد؛ فالنقد حق مشروع، بل ضرورة لتطوير النقاش العام. غير أن هذا الحق يفقد قيمته عندما يتحول إلى سب وقذف وتهديد أو تحرش إلكتروني، وهي ممارسات ترفضها القوانين والأعراف وأخلاقيات التواصل الرقمي. وتوصي الهيئات الدولية المعنية بسلامة الإنترنت بالتبليغ عن هذا النوع من السلوك والاحتفاظ بالأدلة الرقمية عند وقوعه.

إن تجربة سعيد أبرنوص، بصرف النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة لمحتواه، تعيد طرح سؤال جوهري: هل أصبح النجاح على المنصات الرقمية كافياً لجعل صاحبه هدفاً لحملات الإساءة؟ وهل تستطيع منصات التواصل أن توازن بين حرية التعبير وضرورة حماية المستخدمين من التنمر والتهديد؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لم تعد تهم المؤثرين وحدهم، بل أصبحت قضية تمس جودة النقاش العمومي ومستقبل الفضاء الرقمي العربي، الذي يحتاج إلى منافسة تقوم على الإبداع، لا على حملات التشهير، وإلى اختلاف في الآراء، لا إلى صناعة الكراهية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com