أوروبا أمام تحدي الإسلام السياسي «الناعم»: بين الأمن والحريات
بروكسل – لم يعد النقاش الأوروبي حول الإسلام السياسي محصوراً في مكافحة الإرهاب أو في مواجهة التنظيمات التي تتبنى العنف، بل انتقل تدريجياً إلى منطقة أكثر تعقيداً تتعلق بما تصفه بعض الحكومات والتيارات السياسية بـ«الإسلام السياسي» أو «الإسلاموية القانونية» أو «الإسلام السياسي الناعم».
ويُقصد بهذه التسمية، في الخطاب السياسي والأمني الأوروبي، أنشطة لا تعتمد بالضرورة على العنف، لكنها قد تستخدم المؤسسات الدينية أو الجمعيات المدنية أو الأدوات السياسية والقانونية للتأثير في المجال العام أو في المؤسسات أو في صياغة السياسات.
غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً بالنسبة للديمقراطيات الأوروبية: أين تنتهي حرية ممارسة الدين والعمل الجمعوي والسياسي المشروع، وأين يبدأ النشاط الذي تعتبره السلطات محاولة لبناء نفوذ سياسي ذي مرجعية دينية؟
النمسا: مشروع حظر لا يزال قيد النقاش
تقدم النمسا نموذجاً واضحاً لهذا التحول. ففي 26 مارس 2026، أُودع في البرلمان النمساوي مقترح تقدمت به شخصيات من حزب الحرية النمساوي (FPÖ) يدعو إلى إنشاء قانون لحظر «الإسلام السياسي». وأُحيل المقترح إلى لجنة الشؤون الدستورية لدراسته.
لكن التطور الأحدث لا يعني أن النمسا أقرت قانوناً عاماً يحظر «الإسلام السياسي». فقد أُدرج المقترح على جدول أعمال لجنة الشؤون الدستورية في 16 سبتمبر، قبل أن تقرر اللجنة تأجيل مناقشته. وبالتالي، يظل الأمر في الوقت الراهن مشروعاً سياسياً وتشريعياً قيد المسار البرلماني، وليس قانوناً نافذاً.
ويتضمن المقترح، بحسب البرلمان النمساوي، إجراءات تستهدف منع النشاط المرتبط بما يسميه مقدموه «الإسلام السياسي»، إلى جانب الدعوة إلى حل مساجد ومنظمات يعتبرها أصحاب المبادرة جزءاً من هذا النشاط، بل وطرح إمكانية سحب الجنسية من أشخاص ينتمون إلى منظمات مصنفة ضمن هذا الإطار أو يدعمونها.
معركة المصطلح قبل معركة القانون
المعضلة الأوروبية لا تتعلق فقط بالإجراءات التي يمكن اتخاذها، وإنما أيضاً بتعريف المصطلحات نفسها.
فمصطلح «الإسلام السياسي» ليس مفهوماً قانونياً موحداً داخل الاتحاد الأوروبي، كما أن إدراج حركات وجمعيات وأفراد مختلفين تحت تسمية واحدة قد يخلق إشكالات تتعلق بالتمييز بين النشاط الديني والعمل السياسي المشروع وبين النشاط الذي يمكن أن يشكل تهديداً للنظام الديمقراطي أو للأمن العام.
ومن هنا تأتي حساسية أي تشريع في هذا المجال: فالدولة مطالبة بمواجهة التنظيمات أو الشبكات التي تستخدم الدين لتبرير العنف أو تقويض النظام الدستوري، لكنها في الوقت نفسه مطالبة باحترام حرية الدين والتعبير وتكوين الجمعيات والمشاركة السياسية.
النمسا لا تبدأ من الصفر
ولا تأتي هذه المناقشات في فراغ تشريعي. فقد سبقت النمسا إلى اعتماد إجراءات قانونية وأمنية استهدفت التطرف والإرهاب وتنظيمات دينية اعتبرتها السلطات متعارضة مع النظام الدستوري.
كما شهدت السنوات الماضية جدلاً حول تأثير بعض التشريعات الخاصة بالإرهاب والجمعيات الدينية وقانون الإسلام على مساحة عمل المنظمات الإسلامية. وأشارت وثائق أوروبية سابقة إلى مخاوف عبّرت عنها جهات حقوقية وأممية بشأن اتساع بعض المفاهيم القانونية أو احتمال تأثيرها في حرية تكوين الجمعيات، بينما أكدت السلطات النمساوية أن الإجراءات متناسبة مع التزاماتها في مجال حقوق الإنسان.
وفي سبتمبر 2026، عاد ملف الدين والفضاء العام إلى الواجهة أيضاً مع بدء تطبيق حظر ارتداء الحجاب في المدارس على من هن دون الرابعة عشرة، وهو إجراء أثار اعتراضات من جهات تمثل المسلمين في النمسا، بينما تدافع الحكومة عنه باعتباره مرتبطاً بحماية حرية الفتيات. وقد أشارت تقارير إلى أن الإجراء يواجه احتمال الطعن أمام المحكمة الدستورية.
أوروبا أمام معادلة دقيقة
النقاش الأوروبي الجديد لا يمكن اختزاله في ثنائية «مع الإسلام» أو «ضد الإسلام». القضية، في جوهرها، تتعلق بحدود الدولة في مراقبة النشاط الديني عندما يتحول إلى نشاط سياسي أو تنظيمي، وبكيفية تحديد الخط الفاصل بين الحرية الدينية والاستغلال السياسي للدين.
وتختلف المقاربات من دولة أوروبية إلى أخرى، لكن الاتجاه العام يكشف انتقالاً من التركيز الحصري على العنف والإرهاب إلى محاولة فهم شبكات النفوذ والتعبئة والتأثير التي قد تعمل داخل المؤسسات الديمقراطية نفسها.
غير أن نجاح هذه المقاربة سيظل مرتبطاً بقدرة السلطات على تقديم تعريفات قانونية دقيقة، وأدلة فردية ومحددة، وآليات قضائية تضمن حق الطعن والمراجعة، بدلاً من الاعتماد على تصنيفات واسعة قد تشمل أنشطة دينية أو مدنية مشروعة.
بين حماية الديمقراطية وحماية الحريات
المعادلة التي تواجه أوروبا ليست بسيطة. فمن جهة، توجد مخاوف أمنية حقيقية مرتبطة بالتطرف العنيف وبمحاولات بعض التنظيمات استغلال المؤسسات الديمقراطية لتحقيق أهداف تتعارض مع النظام الدستوري.
ومن جهة أخرى، فإن الديمقراطية الأوروبية نفسها تقوم على حماية حرية المعتقد والتعبير والتنظيم والمشاركة السياسية، بما في ذلك بالنسبة إلى المواطنين المسلمين، ما دام النشاط يتم في إطار القانون.
ولهذا فإن المعركة المقبلة قد لا تكون حول ما إذا كان ينبغي للدول الأوروبية أن تواجه التطرف فحسب، وإنما حول كيفية تعريف التطرف، ومن يملك سلطة تحديده، وما هي الضمانات القانونية التي تمنع تحول مكافحة التطرف إلى تقييد جماعي لحريات دينية ومدنية مشروعة.
وفي هذا السياق، تبدو الحالة النمساوية اختباراً سياسياً وقانونياً مهماً لمسار أوروبي أوسع، لا يزال يبحث عن توازن دقيق بين مقتضيات الأمن، ومبادئ دولة القانون، وحرية الدين، وحق المواطنين في المشاركة في الحياة العامة.