حين يفضح يومٌ واحد سنواتٍ من الخطاب

بوشعيب البازي

Screenshot

في الدول، لا تُقاس قوة الخطابات الرسمية ببلاغتها، وإنما بقدرتها على الصمود أمام اختبار الواقع. فقد كشفت الأحداث الأخيرة، وما رافقها من محاولات جماعية لشباب مغاربة للهجرة نحو مدينة سبتة، عن صورة صادمة تناقض السردية التي رُوّج لها خلال السنوات الأخيرة حول الازدهار الاقتصادي، والتنمية الشاملة، وتحسن مستوى العيش. ففي ساعات معدودة، تحولت صور مئات الشباب وهم يغامرون بحياتهم في البحر إلى مادة إعلامية عالمية، أعادت طرح سؤال جوهري: كيف يمكن لبلد يُقدم باعتباره نموذجًا للاستقرار والتنمية في إفريقيا أن يشهد هذا الحجم من اليأس بين شبابه؟

إن الهجرة، في بعدها الاجتماعي، ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي استفتاء صامت على جودة السياسات العمومية. وعندما يصبح البحر، بكل مخاطره، خيارًا مفضلًا على البقاء في الوطن، فإن الأمر يتجاوز الظرفية الاقتصادية ليعكس أزمة ثقة بين المواطن ومحيطه المؤسساتي. فالشباب الذي يختار المغامرة لا يبحث فقط عن راتب أعلى، بل يبحث عن شعور بالكرامة، وعن تكافؤ الفرص، وعن مستقبل يعتقد أنه لم يعد قادرًا على بنائه داخل بلده.

لقد أظهرت السنوات الماضية مؤشرات اقتصادية إيجابية في بعض القطاعات، كما شهد المغرب إنجازات مهمة في البنيات التحتية والاستثمارات الكبرى. غير أن هذه النجاحات، مهما بلغت أهميتها، تفقد جزءًا من قيمتها عندما لا تنعكس بشكل ملموس على الحياة اليومية لفئات واسعة من المواطنين. فالتنمية لا تُقاس فقط بحجم المشاريع، وإنما بقدرتها على تقليص الفوارق الاجتماعية، وتحسين الخدمات الأساسية، وخلق فرص شغل تحفظ كرامة الإنسان.

وما يزيد من حدة هذا الشعور هو اتساع الفجوة الاجتماعية. فالكثير من المواطنين يرون أن ثمار النمو لا توزع بشكل متوازن، وأن الهوة بين الأغنياء والفقراء تتسع عامًا بعد آخر. فبينما تتراكم الثروات لدى فئات محدودة، تجد شرائح واسعة نفسها أمام ارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة، وضعف القدرة الشرائية، وصعوبة الولوج إلى فرص عمل مستقرة، فيتولد الإحساس بأن المجتمع لم يعد يسير بسرعتين فقط، بل بعشرات السرعات، حيث تختلف فرص النجاح والعيش الكريم باختلاف الموقع الاجتماعي والاقتصادي.

ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن طبيعة العلاقة بين المواطن والفاعل السياسي. فجزء من الرأي العام يعبر عن شعور متزايد بأن النقاش السياسي انشغل بالصراعات الحزبية والحسابات الانتخابية أكثر من انشغاله بالإجابات العملية عن هموم المواطنين. فمشكلات التشغيل، والتعليم، والصحة، والسكن، وارتفاع الأسعار، والهجرة، ليست ملفات جديدة، بل هي قضايا معروفة ومتكررة، ومع ذلك لا يزال كثيرون يشعرون بأن وتيرة معالجتها لا ترقى إلى حجم الانتظارات.

إن قوة الدول لا تكمن في إنكار الاختلالات، بل في الاعتراف بها والعمل على معالجتها. فالنقد المسؤول ليس تشكيكًا في الوطن، بل مساهمة في تصحيح المسار. والمغرب يمتلك من الإمكانات البشرية والمؤسساتية ما يؤهله لتجاوز هذه المرحلة، شريطة أن تتحول العدالة الاجتماعية إلى أولوية فعلية، وأن يصبح الاستثمار في الإنسان موازيًا للاستثمار في الحجر، وأن يشعر المواطن بأن التنمية مشروع يشارك في ثماره، لا مجرد أرقام تُتلى في التقارير.

لقد كان ذلك اليوم رسالة قاسية، ليس للمغرب وحده، بل لكل من يعتقد أن المؤشرات الاقتصادية وحدها تكفي لقياس نجاح الدول. فحين يقرر آلاف الشباب أن مستقبلهم يوجد خارج حدود وطنهم، فإن الأمر يستدعي وقفة وطنية صادقة، بعيدًا عن لغة التبرير أو المزايدات. فالأوطان القوية ليست تلك التي تخلو من الأزمات، بل تلك التي تمتلك الشجاعة السياسية والأخلاقية لتحويل الأزمات إلى فرصة للمراجعة والإصلاح، حفاظًا على كرامة المواطن، وترسيخًا لثقته في مستقبل وطنه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com