يشكل عيد العرش إحدى أسمى المناسبات الوطنية في المغرب، فهو ليس مجرد احتفال بروتوكولي تنظمه الإدارات والمؤسسات، بل مناسبة تجسد البيعة التاريخية بين العرش والشعب، وتعكس قيم الدولة المغربية وهويتها الحضارية والدينية. ولهذا، فإن كل نشاط رسمي يقام بهذه المناسبة، سواء داخل المملكة أو خارجها، يفترض أن يكون امتدادًا لهذه الرمزية، وأن يعكس صورة المغرب كما يريدها المغاربة أنفسهم.
غير أن الاحتفال الذي نظمته السفارة المغربية في بروكسل بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش أثار نقاشًا بين عدد من الحاضرين، بعد تداول صور وملاحظات تشير إلى تقديم مشروبات كحولية ضمن الضيافة. فالأمر يتجاوز مجرد اختيار بروتوكولي ليصبح سؤالًا يتعلق بطبيعة الرسالة التي يراد إيصالها خلال مناسبة وطنية بهذا الحجم، خاصة وأن أغلبية المدعوين من أفراد الجالية المغربية ينتمون إلى مجتمع مسلم، وينظرون إلى عيد العرش باعتباره مناسبة وطنية ذات رمزية خاصة، لا حفلاً اجتماعياً عادياً.
إن السفارات ليست فضاءات خاصة، وإنما مؤسسات تمثل الدولة المغربية بكل أبعادها الدستورية والثقافية والدينية. ولذلك فإن كل قرار يتعلق بتنظيم احتفالاتها ينعكس مباشرة على صورة المملكة في الخارج. وإذا كانت بعض الأعراف الدبلوماسية في عدد من الدول الأوروبية تتضمن تقديم المشروبات الكحولية خلال المناسبات الرسمية، فإن ذلك لا يمنع من طرح سؤال مشروع حول مدى ملاءمة نقل تلك الممارسات إلى احتفال وطني مغربي يحمل خصوصية مختلفة.

وليس المقصود من هذا النقاش الاعتراض على قواعد العمل الدبلوماسي أو التقليل من أهمية الانفتاح على الأعراف الدولية، وإنما التأكيد على أن الدبلوماسية الناجحة هي التي تعرف كيف توفق بين البروتوكول الدولي واحترام الهوية الوطنية. فتمثيل المغرب في الخارج لا يقتصر على إدارة العلاقات السياسية، بل يشمل أيضًا نقل صورة بلد له مرجعية دستورية واضحة، ينص دستوره على أن الإسلام دين الدولة، ويعتز بتقاليده وقيمه.
كما أن من حق الرأي العام أن يتساءل عن معايير تنظيم مثل هذه المناسبات الرسمية، وعن مدى انسجامها مع انتظارات الجالية المغربية التي تحضر للاحتفاء بعيد العرش، لا للدخول في جدل كان من الممكن تفاديه. فكلما تحولت الأنظار من مضمون المناسبة إلى تفاصيل التنظيم، ضاعت الرسالة الوطنية التي من أجلها أُقيم الاحتفال.
فهذه المناسبة ليست لقاءً بروتوكوليًا عاديًا، وإنما حدث وطني يعكس هوية الدولة المغربية وقيمها، ويحضره في جزء كبير منه أفراد من الجالية المغربية، غالبيتهم من المسلمين. ومن ثم، فإن اعتماد ضيافة خالية من المشروبات الكحولية كان من شأنه أن يجنب الجهة المنظمة أي جدل، وأن يحافظ على تركيز الحضور على الرسالة الوطنية للمناسبة بدل الانشغال بتفاصيل أثارت نقاشًا واستغرابًا لدى عدد من المدعوين.
و هذا يفتح بابًا مشروعًا للتساؤل حول آليات المراقبة المالية المعتمدة في تدبير ميزانيات البعثات الدبلوماسية المغربية بالخارج. فالرأي العام من حقه أن يعرف طبيعة النفقات التي تُمول من المال العام، وما إذا كانت تخضع لمعايير واضحة للمراقبة والمحاسبة، ومدى انسجامها مع طبيعة المناسبة الرسمية وقيم الدولة المغربية. ولا يتعلق الأمر بإطلاق الاتهامات، وإنما بتكريس مبدأ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يعزز ثقة المواطنين في مؤسساتهم ويضمن حسن تدبير الموارد العمومية
إن استمرار السفير محمد عامر في منصبه لأكثر من عشر سنوات ببروكسل يطرح، في حد ذاته، تساؤلات حول ما إذا كانت طول مدة الاعتماد قد أفرزت زيادة في الثقة في تدبير الشأن الدبلوماسي الذي أصبح بعيدًا عن حساسية الجالية المغربية وانتظاراتها. فبدل أن تعكس احتفالات عيد العرش خصوصية الدولة المغربية ورمزيتها، يرى منتقدون أن بعض الاختيارات التنظيمية أوحت بأن مسايرة بعض الأعراف الدبلوماسية الغربية أصبحت أولوية على حساب احترام هوية المناسبة الوطنية. وإذا صح أن المشروبات الكحولية كانت جزءًا من الضيافة، فإن ذلك لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل بروتوكولي، بل اختيارًا أثار استغراب عدد من الحاضرين، الذين كانوا ينتظرون احتفالًا ينسجم مع رمزية عيد العرش وقيم الدولة المغربية، لا مناسبة تثير الجدل وتطغى فيها تفاصيل الضيافة على قدسية الحدث الوطني.

إن الاحتفال بعيد العرش يجب أن يبقى مناسبة لتجديد أواصر الثقة بين الدولة ومواطنيها داخل الوطن وخارجه، وتعزيز صورة المغرب كدولة تجمع بين الحداثة والوفاء لهويتها. ولذلك، فإن أي نقاش يثار حول طريقة تنظيم هذه المناسبة ينبغي أن يُستقبل باعتباره فرصة لتقييم الممارسات وتطويرها، بما يحفظ للمؤسسات هيبتها، وللمناسبات الوطنية رمزيتها، وللمغاربة شعورهم بأن هويتهم وقيمهم ممثلة باحترام في كل المحافل.
واليوم، لا يتوجه هذا التساؤل إلى وزير الشؤون الخارجية، بل إلى جلالة الملك محمد السادس، بصفته الضامن لاحترام ثوابت الدولة ورمز وحدتها. فهل ينسجم مع رمزية عيد العرش، وما يحمله من قدسية في وجدان المغاربة، أن يُثار جدل حول طبيعة الضيافة المقدمة في احتفال رسمي يحمل اسم هذه المناسبة الوطنية؟ وهل تعكس الخيارات التنظيمية التي تُعتمد في مثل هذه الاحتفالات قيم المغرب وعاداته وتقاليده، أم أنها تفتح الباب أمام ممارسات يعتبرها كثير من المواطنين بعيدة عن هوية الدولة التي تمثلها بعثاتها الدبلوماسية؟ إن المغاربة ينتظرون من احتفالات عيد العرش أن تكون تجسيدًا لخصوصية المملكة ورمزيتها، لا أن تتحول إلى مناسبة يطغى عليها الجدل، مهما كانت مبررات البروتوكول أو الأعراف الدبلوماسية. فالمسألة لا تتعلق بنوعية الضيافة في حد ذاتها، وإنما بمدى انسجامها مع قدسية مناسبة وطنية توحد جميع المغاربة داخل الوطن وخارجه
ويبقى الأمل أن تحظى مثل هذه التساؤلات بالاهتمام اللازم من الجهات المختصة، في إطار حوار مؤسساتي هادئ يوازن بين متطلبات البروتوكول الدبلوماسي وخصوصية المناسبات الوطنية، حتى يظل عيد العرش مناسبة توحد المغاربة حول رمز الدولة، بعيدًا عن أي جدل قد يحجب رسالته الأساسية.