سبتة لم تكن البداية… بل كانت النتيجة

بقلم: بوشعيب البازي

Screenshot

في اعتقادي، فإن من يختزل ما وقع في سبتة في موجة هجرة جماعية أو في نشاط شبكات الاتجار بالبشر، يتجاهل السياق السياسي الذي سبق الأحداث. فالأزمات الكبرى لا تنفجر فجأة، بل تسبقها رسائل سياسية متراكمة، وقرارات تُقرأ في العواصم باعتبارها مؤشرات على تغير المواقف أو الإخلال بالتوازنات.

لقد ارتكبت إسبانيا، في تقديري، خطأً سياسياً عندما مضت في مناقشة مشروع قانون يمنح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية وأبنائهم. قد تراه مدريد شأناً داخلياً أو معالجة لإرث تاريخي، لكنها تجاهلت أن المغرب يعتبر قضية الصحراء أساس سيادته الوطنية، وأن أي خطوة تمس هذا الملف، ولو كانت ذات طابع قانوني، ستكون لها بالضرورة انعكاسات سياسية ودبلوماسية.

ما يثير الاستغراب هو أن الحكومة الإسبانية سعت منذ سنة 2022 إلى إعادة بناء الثقة مع الرباط، بعدما دعمت مبادرة الحكم الذاتي المغربية، ثم سمحت في المقابل بعودة مبادرات برلمانية تُفسَّر داخل المغرب على أنها تتناقض مع روح ذلك التقارب. ففي العلاقات الدولية، لا تكفي التصريحات الودية إذا كانت القرارات تحمل رسائل مغايرة.

من هنا، أرى أن ما وقع في سبتة لا يمكن عزله عن هذا المناخ المتوتر. ولا أدعي أن مشروع القانون كان السبب الوحيد للأحداث، لكنني أعتبره أحد العوامل السياسية التي ساهمت في تعقيد العلاقة بين البلدين في لحظة دقيقة. فعندما تهتز الثقة بين شريكين استراتيجيين، يصبح التعاون في الملفات الحساسة، وعلى رأسها الهجرة، أكثر هشاشة.

وفي الوقت الذي حاولت فيه بعض الأصوات الإسبانية تصوير مدريد في موقع الضحية، فإنها أغفلت أن السياسة الخارجية تقوم على مبدأ المسؤولية المتبادلة. فلا يمكن لدولة أن تمس ملفاً تعتبره جارتها قضية وجودية، ثم تتوقع أن تستمر العلاقات وكأن شيئاً لم يحدث.

ومن وجهة نظري، فإن المملكة المغربية لم تكن يوماً المستفيد من الفوضى أو من المآسي الإنسانية التي شهدتها سبتة، لأنها كانت ولا تزال تؤكد أن الهجرة غير النظامية تشكل خطراً على أمن المنطقة واستقرارها، كما أن الضحايا كانوا في غالبيتهم شباباً مغاربة دفعهم اليأس إلى المجازفة بحياتهم في البحر. ومن غير المنطقي أن يكون المغرب، الذي جعل من مكافحة الهجرة غير النظامية محوراً رئيسياً في تعاونه مع الاتحاد الأوروبي، صاحب مصلحة في انفلات الوضع.

إن ما تحتاجه مدريد اليوم ليس البحث عن دور الضحية، بل مراجعة الرسائل السياسية التي تبعث بها إلى الرباط. فالمغرب أثبت خلال السنوات الماضية أنه شريك لا غنى عنه في حماية الحدود الجنوبية لأوروبا، لكن هذه الشراكة لا يمكن أن تستمر بالفعالية نفسها إذا شعر بأن مصالحه الاستراتيجية وقضاياه السيادية لا تحظى بالاحترام اللازم.

وفي النهاية، أعتقد أن الدرس الذي ينبغي استخلاصه من أزمة سبتة هو أن الاستقرار في غرب البحر الأبيض المتوسط لا يتحقق فقط بالوسائل الأمنية، بل يبدأ أولاً باحترام الثوابت الوطنية للدول، وبناء الثقة، والابتعاد عن المبادرات التي تفتح أبواب التأويل السياسي في ملفات لا تحتمل المغامرة. فحين تختل الثقة، تصبح الأزمات هي اللغة الوحيدة التي يتقنها الجميع، ويكون الإنسان البسيط هو أول من يدفع الثمن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com