قضية عبد الرحيم فقير: أسئلة متصاعدة حول تدخل الشرطة الإيطالية ومسار التحقيق في بولونيا
مجدي فاطمة الزهراء
بعد 22 يوماً على وفاة المواطن المغربي، التحقيقات لا تزال في مراحلها الأولى وسط مطالب بكشف تسجيلات كاميرات الشرطة وتحديد المسؤوليات
اثنان وعشرون يوماً مرت على وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير في مدينة بولونيا الإيطالية، لكن الأسئلة المحيطة بظروف وفاته لم تجد، إلى حدود الآن، أجوبة نهائية. وبينما تؤكد عائلة الراحل ودفاعها ضرورة كشف جميع ملابسات التدخل الأمني الذي سبق الوفاة، تظل المسؤوليات القانونية والطبية رهينة نتائج التحقيق القضائي والتشريح واستكمال فحص الأدلة المتاحة.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه النيابة العامة بمدينة بولونيا تواصل تحرياتها، وفق ما أفاد به محامي العائلة فابيو أنسيلمو، يحتفظ القضاء الإيطالي بجثمان الراحل إلى حين استكمال الإجراءات الطبية والقضائية المرتبطة بالوفاة. ويشكل تحديد السبب المباشر للوفاة إحدى النقاط المركزية التي يفترض أن تساعد في توضيح تسلسل الأحداث وتحديد ما إذا كانت الإصابات المسجلة مرتبطة مباشرة بطريقة توقيف الضحية.
وتتركز التحقيقات، بحسب دفاع العائلة، على نتائج التشريح الطبي وعلى تسجيلات مصورة توثق جزءاً من اللحظات الأخيرة التي سبقت وفاة فقير، فضلاً عن تسجيلات الكاميرات الصدرية التي كان يرتديها أحد عناصر الشرطة المشاركين في التدخل.
تسجيلات الشرطة في قلب المعركة القضائية
يعتبر الدفاع أن التسجيلات المصورة تمثل عنصراً أساسياً في تحديد ما جرى خلال عملية التوقيف، ولذلك تقدم بطلب للحصول على نسخة مطابقة للأصل من تسجيلات الكاميرا الصدرية.
ومن المنتظر أن تخضع التسجيلات لعملية استخراج وفحص تقني داخل إدارة التحقيقات العلمية، وهي مرحلة يرى الدفاع أنها ضرورية للتحقق من مضمون التسجيلات وتسلسلها وسلامتها التقنية.
ويثير هذا الملف أيضاً قضية أخرى تتعلق بتداول أجزاء من التسجيلات في وسائل الإعلام، إذ تحدث المحامي عن تسريب لم يكن ينبغي، بحسب تقديره، أن يحدث، مشيراً إلى أن بعض المعطيات المرتبطة بالكاميرا الصدرية أصبحت متداولة خارج الإطار الذي يفترض أن تحكمه قواعد التحقيق القضائي.
وقال أنسيلمو إنه ينتظر نتائج عملية الفحص والاستخراج قبل تحديد الخطوات القانونية المقبلة، بما فيها احتمال تقديم شكاية بشأن طريقة حفظ التسجيلات واستعمالها.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في القضايا التي يكون فيها التسجيل الإلكتروني أحد العناصر الأساسية لإعادة بناء الوقائع، إذ لا يتعلق الأمر بمحتوى الصور فقط، وإنما أيضاً بسلسلة حفظها وسلامتها وإمكانية التأكد من عدم تعرضها للتعديل أو الاقتطاع.
تحذيرات من حملات تضليل على شبكات التواصل
بالتوازي مع التحقيق القضائي، برزت معركة أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي.
فقد اتهم دفاع عائلة فقير صفحات وصفها بأنها مزيفة ومحسوبة على تيارات من اليمين المتطرف الإيطالي بترويج روايات حول أسباب الوفاة. واعتبر المحامي أن بعض هذه الصفحات تستعمل تقنيات رقمية، من بينها أدوات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لإنتاج محتويات تهدف إلى التأثير في الرأي العام قبل انتهاء التحقيق.
وتظل هذه الاتهامات، بدورها، بحاجة إلى توثيق مستقل وتحديد دقيق لمصادر المحتويات المتداولة والجهات التي تقف وراءها. غير أن انتشار روايات متعارضة على شبكات التواصل الاجتماعي يطرح تحدياً إضافياً أمام التحقيق، خصوصاً عندما تتحول منصات التواصل إلى فضاء لإصدار أحكام مسبقة قبل اكتمال الأدلة.
ومن منظور قانوني، تبقى الكلمة الأخيرة للقضاء الإيطالي، الذي يفترض أن يستند إلى الأدلة الطبية والتقنية والشهادات، لا إلى الحملات الرقمية أو الاستقطاب السياسي.
فرضية الاختناق الميكانيكي تحت المجهر
على المستوى الطبي، برز تحليل قدمه ماريو بالزانيلي، رئيس الجمعية الإيطالية لطب الطوارئ، حول الآليات المحتملة التي يمكن أن تؤدي إلى تدهور الحالة الصحية أثناء التثبيت الجسدي.
وبحسب تحليله، فإن إبقاء شخص في وضعية الانبطاح، خصوصاً عندما تكون هناك ضغوط على القفص الصدري أو الظهر، يمكن أن يحد من قدرة الرئتين على التمدد، بما قد يؤدي إلى اضطرابات خطيرة في التنفس والدورة الدموية.
ويذهب بالزانيلي إلى أن هذه الآلية يمكن أن تفسر، من الناحية الطبية، بعض الإصابات والمعطيات التي تم تداولها بشأن حالة فقير. لكنه شدد، في الوقت نفسه، على ضرورة قراءة هذه المعطيات ضمن سياق طبي كامل، وعدم فصلها عن نتائج التشريح وباقي الأدلة.
وتبقى المسألة الأساسية هي تحديد العلاقة السببية بين طريقة التثبيت وبين الوفاة، وهي مسألة لا يمكن حسمها نهائياً إلا من خلال الخبرة الطبية والقضائية المعتمدة في الملف.
كما أثار الخبير تساؤلات حول الاستجابة الطبية للحالة، مشيراً إلى أن تدهور الوضع الصحي للضحية كان يستدعي، بحسب تقييمه، تدخلاً طبياً سريعاً ومراقبة دقيقة للمؤشرات الحيوية.
وتشمل الأسئلة المطروحة في هذا الجانب مدى سرعة استدعاء خدمات الإسعاف، وطبيعة المعلومات التي نقلتها الشرطة إلى مركز الطوارئ، وما إذا كانت الحالة قد قُيّمت منذ البداية باعتبارها حالة طبية حرجة.
دقيقة و35 ثانية.. تفصيل ينتظر التحقق القضائي
من بين المعطيات التي أثارت اهتمام الدفاع والخبراء الفترة الزمنية التي قيل إن الضحية ظل خلالها فاقداً للوعي قبل مباشرة تدخلات الإنقاذ.
ويتحدث دفاع العائلة عن دقيقة و35 ثانية موثقة بكاميرات المراقبة، وهي مدة يرى أن من الضروري إخضاعها لتحليل دقيق لتحديد ما جرى خلالها، ومن كان حاضراً، وما هي التدخلات التي تمت أو لم تتم.
وفي مثل هذه القضايا، لا تكمن أهمية الثواني في بعدها الإعلامي، وإنما في قدرتها على إعادة بناء التسلسل الزمني للواقعة: متى بدأ التدهور؟ متى فقد الضحية وعيه؟ متى تم رفع الضغط عنه؟ ومتى بدأت محاولات الإنعاش؟
كل هذه العناصر يمكن أن تكون حاسمة في تحديد العلاقة بين التدخل الأمني والنتيجة الطبية النهائية.
استقلال التحقيق.. مطلب دفاع العائلة
على المستوى الإجرائي، تقدم دفاع الأسرة بطلب لإبعاد التحقيق عن جهاز الشرطة الذي ينتمي إليه العنصران المشاركان في عملية التوقيف، مستنداً إلى ضرورة ضمان استقلال التحقيقات عندما تكون أجهزة إنفاذ القانون نفسها طرفاً في الوقائع موضوع البحث.
ويكتسي هذا المطلب أهمية تتجاوز حالة فقير نفسها، إذ إن ثقة الرأي العام في التحقيق ترتبط بدرجة كبيرة باستقلال الجهة التي تجمع الأدلة وتحدد المسؤوليات الأولية.
وقد أشار الدفاع إلى اجتهادات صادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تؤكد أهمية استقلال التحقيقات وفعاليتها في الحالات التي تتعلق بادعاءات خطيرة ضد عناصر من أجهزة الدولة.
غير أن تحديد ما إذا كانت شروط الاستقلال قد احترمت في هذه القضية يبقى مسألة مرتبطة بالإجراءات التي اتخذتها السلطات القضائية الإيطالية، وبمدى قدرتها على ضمان تحقيق كامل ومحايد وفعال.
جثمان ينتظر جواب القضاء
كان عبد الرحيم فقير، المواطن المغربي البالغ من العمر 42 عاماً، قد توفي في 19 يوليوز بمدينة بولونيا عقب تدخل أمني انتهى بتوقيفه على الأرض. وكان الراحل قد استقر في إيطاليا منذ طفولته.
وتشير المعطيات التي قدمها دفاع الأسرة إلى تسجيل إصابات ونزيف في الرئتين، مع طرح فرضية الاختناق المرتبط بالضغط الجسدي. غير أن تحديد السبب القانوني والطبي النهائي للوفاة يظل من اختصاص الخبرات القضائية والسلطات المختصة.
وفي انتظار ذلك، لا يزال جثمان فقير في إيطاليا، بينما تطالب عائلته، المقيمة في الدار البيضاء، بالإسراع في استكمال الإجراءات التي تسمح بإعادته إلى المغرب ودفنه بين أفراد أسرته.
وتتجه الأنظار في المرحلة المقبلة إلى ثلاثة عناصر أساسية: نتائج التشريح النهائي، والتحليل التقني الكامل لتسجيلات كاميرات المراقبة والكاميرات الصدرية، ثم ما ستخلص إليه النيابة العامة من تقييم للأدلة والشهادات.
وفي قضية أثارت اهتماماً واسعاً داخل الجالية المغربية بإيطاليا وخارجها، لا يبدو أن السؤال المطروح يقتصر على تحديد المسؤول عن وفاة عبد الرحيم فقير، وإنما يمتد إلى اختبار قدرة المؤسسات الإيطالية على تقديم إجابة قضائية دقيقة وشفافة ومستقلة، بعيداً عن ضغط الشارع أو الحملات الرقمية أو الاستقطاب السياسي.
فالحقيقة، في النهاية، لا ينبغي أن تصاغ على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا أن تُحسم عبر البيانات المتبادلة؛ مكانها الطبيعي هو ملف التحقيق، حيث يفترض أن تتحدث الأدلة الطبية والتسجيلات والشهادات، وأن تكون المسؤولية نتيجة استنتاج قضائي لا مجرد اتهام مسبق.