المغرب يفتح صفحة سياسية جديدة بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة

بوشعيب البازي

دخل المغرب مرحلة سياسية جديدة مع تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، في سابقة تاريخية تجعلها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المملكة. ولا تقتصر دلالة هذا التحول على بعدها الرمزي المرتبط بتمثيل المرأة في أعلى هرم السلطة التنفيذية، بل تضع أيضاً الحكومة المقبلة أمام اختبار سياسي واقتصادي واجتماعي في مرحلة تتسم بتعدد الاستحقاقات وتعقّد التحديات التنموية.

وأعلن القصر الملكي، الثلاثاء، أن الملك محمد السادس استقبل فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، وذلك عقب الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر الجاري، والتي تصدر خلالها الحزب نتائج الاقتراع.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية بالنظر إلى المسار السياسي للمنصوري، التي تصل إلى رئاسة الحكومة من موقع حزبي وانتخابي متقدم، وليس باعتبارها شخصية مستقلة عن المؤسسات المنتخبة. فقد حصل حزب الأصالة والمعاصرة، وفق النتائج المعلنة، على 97 مقعداً من أصل 395، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار الذي حصد 66 مقعداً، وحزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً.

سابقة سياسية تتجاوز البعد الرمزي

يمثل وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة تحولاً لافتاً في مسار المشاركة السياسية للنساء في المغرب، خصوصاً أن المنصب يشكل مركز الثقل في إدارة السياسات العمومية وتنفيذ البرنامج الحكومي.

غير أن أهمية هذه السابقة لن تُقاس فقط بكونها حدثاً تاريخياً، وإنما بما ستنتجه على مستوى ممارسة السلطة وصياغة السياسات العمومية. فالتحدي الأساسي أمام الحكومة الجديدة يتمثل في تحويل هذا التحول في التمثيل السياسي إلى قرارات وبرامج ملموسة تستجيب للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.

وبذلك، تجد المنصوري نفسها أمام معادلة دقيقة تجمع بين الحفاظ على الاستقرار المؤسساتي، وتدبير التحولات الاقتصادية، والاستجابة للمطالب الاجتماعية، وتسريع الإصلاحات المرتبطة بالتنمية والخدمات العمومية.

الاقتصاد والعدالة الاجتماعية في صدارة الاختبار

وتأتي الحكومة الجديدة في سياق تتداخل فيه مجموعة من الملفات ذات الأولوية، من بينها تعزيز النمو الاقتصادي، دعم القدرة الشرائية، تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، تطوير منظومة الصحة والتعليم، ومواصلة إصلاحات الحماية الاجتماعية.

كما سيكون ملف التشغيل من أبرز الاختبارات التي ستواجه السلطة التنفيذية، في ظل الحاجة إلى خلق فرص عمل مستدامة وربط النمو الاقتصادي بقدرة أكبر على إدماج الشباب في سوق الشغل.

ولا يقل عن ذلك أهمية ملف الاستثمار، إذ سيكون على الحكومة الجديدة توفير بيئة أكثر جاذبية للمستثمرين، مع مواصلة تنفيذ المشاريع الكبرى وتعزيز دور القطاع الخاص في خلق الثروة وفرص العمل.

من الانتصار الانتخابي إلى هندسة التحالف الحكومي

ولا يعني تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات، بمفرده، امتلاكه أغلبية برلمانية تتيح له تشكيل الحكومة منفرداً. ولذلك، ستتجه الأنظار إلى طبيعة المشاورات السياسية التي ستقودها رئيسة الحكومة المكلفة، وإلى ملامح التحالف الحكومي المقبل وتركيبته وبرنامجه.

وتشكل هذه المرحلة اختباراً مبكراً لقدرة المنصوري على بناء أغلبية منسجمة، تجمع بين التوازنات الحزبية والبرلمانية وبين ضرورة توفير فريق حكومي قادر على تنفيذ برنامج واضح وقابل للقياس.

المرأة في قلب التحول المؤسساتي

يحمل تعيين المنصوري كذلك دلالة مؤسساتية تتجاوز شخصها، باعتباره يضع مسألة حضور المرأة في مواقع القرار التنفيذي أمام مرحلة جديدة. فالوصول إلى رئاسة الحكومة يفتح النقاش حول مدى قدرة النساء على الانتقال من الحضور المتزايد في المؤسسات السياسية والإدارية إلى مواقع صناعة القرار الأعلى.

غير أن المعيار الحقيقي سيظل مرتبطاً بالأداء الحكومي والنتائج المحققة، وليس بالرمزية التاريخية للتعيين وحدها. فالمرحلة المقبلة ستختبر مدى قدرة الحكومة على تحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية، وعلى تحقيق توازن بين الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والاستقرار المالي.

مرحلة جديدة ومسؤوليات أكبر

وبينما يشكل تكليف فاطمة الزهراء المنصوري حدثاً سياسياً غير مسبوق في تاريخ الحكومات المغربية، فإن القيمة الفعلية لهذه السابقة ستتحدد من خلال قدرة الحكومة الجديدة على التعامل مع الملفات المطروحة بفعالية وواقعية، وعلى تقديم إجابات عملية عن القضايا التي تشغل المواطنين.

وهكذا، يبدأ المغرب مرحلة سياسية جديدة لا تختزل في وصول أول امرأة إلى رئاسة الحكومة، بل تضع أمام السلطة التنفيذية المقبلة مسؤولية إدارة مرحلة دقيقة تتطلب انسجاماً سياسياً، ووضوحاً في الأولويات، وفعالية في تنفيذ السياسات العمومية، وربط الإصلاحات بمردود ملموس على الحياة اليومية للمواطنين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com