خمس سنوات من الحكم: بين وعود «الدولة الاجتماعية» واختبار الحصيلة الحكومية

بوشعيب البازي

بعد خمس سنوات من وصول الائتلاف الحكومي الذي يقوده حزب التجمع الوطني للأحرار إلى السلطة، تفتح الحصيلة الحكومية نقاشاً واسعاً حول مدى قدرة السياسات العمومية على ترجمة الوعود الانتخابية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.

ففي شتنبر 2021، قدم الحزب برنامجه الانتخابي تحت شعار «أنت تستحق الأفضل»، واضعاً مشروع «الدولة الاجتماعية» في صدارة خطابه السياسي، ومعلناً عن خمسة التزامات كبرى و25 إجراءً اعتبرها قابلة للتنفيذ والقياس. وبعد مرور الولاية الحكومية، أصبح من الممكن قراءة تلك الوعود من زاوية أكثر تعقيداً: ما الذي تحقق؟ وما الذي تأخر؟ وأين اصطدمت التصورات السياسية والإدارية بإكراهات الاقتصاد والمجتمع؟

الدولة الاجتماعية بين التصور والتنفيذ

كان تعميم الحماية الاجتماعية أحد أبرز عناوين المرحلة الحكومية. وقد تزامن ذلك مع استمرار تنزيل الورش الملكي المتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية، بما يشمل التأمين الإجباري عن المرض والدعم الاجتماعي المباشر.

غير أن الانتقال من الإطار القانوني والمؤسساتي إلى الاستفادة الفعلية لم يكن بالبساطة التي توحي بها الشعارات السياسية. فقد فرضت عملية الاستهداف الاجتماعي الجديدة اعتماد السجل الاجتماعي الموحد وآليات متعددة لتحديد المستفيدين، وهو ما أثار نقاشاً حول قدرة الإدارة على الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة، وحول العلاقة بين دقة الاستهداف وسرعة إيصال الدعم.

وتكشف هذه التجربة أن بناء الدولة الاجتماعية لا يرتبط فقط بحجم الاعتمادات المالية، وإنما أيضاً بكفاءة الإدارة، ووضوح معايير الاستحقاق، وقدرة المؤسسات على معالجة التظلمات وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.

التشغيل: الوعد الأكبر أمام أصعب الاختبارات

كان التشغيل في صلب البرنامج الحكومي، مع وعود بخلق مليون منصب شغل خلال الولاية، وإطلاق برامج لدعم المقاولات والمبادرة الفردية، من بينها برنامج «فرصة» وبرامج «أوراش».

لكن سوق الشغل المغربي ظل خلال السنوات الماضية تحت ضغط عوامل متعددة، من بينها تداعيات جائحة كوفيد-19، وسنوات الجفاف المتتالية، وتراجع النشاط في قطاعات معينة، إضافة إلى التحولات الديموغرافية التي تفرض دخول أعداد متزايدة من الشباب إلى سوق العمل سنوياً.

وهنا تبرز إحدى أكبر مفارقات الولاية الحكومية: فالهدف المعلن كان تقليص البطالة وتوسيع قاعدة التشغيل، بينما ظل معدل البطالة مرتفعاً، خصوصاً في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.

ولا يمكن، من الناحية التحليلية، اختزال هذه النتيجة في أداء الحكومة وحدها، كما لا يمكن تجاهل مسؤولية السياسات العمومية في تفسيرها. فالتشغيل يرتبط في الوقت ذاته بالنمو الاقتصادي، والاستثمار، وتنافسية المقاولات، والتكوين، والتحولات القطاعية، والظروف المناخية.

الصحة: الإصلاح الهيكلي في مواجهة أزمة الموارد

شكل إصلاح المنظومة الصحية أحد المحاور الرئيسية للمشروع الاجتماعي. وكان الرهان يتمثل في توسيع التغطية الصحية، وإعادة تنظيم العرض الطبي، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية، وتقوية الموارد البشرية.

إلا أن القطاع الصحي ظل يواجه اختلالات هيكلية، من أبرزها التفاوت الكبير في توزيع الأطباء والأطر الصحية بين المدن والمناطق القروية، والضغط الذي تعرفه المستشفيات العمومية، إضافة إلى إشكالية استبقاء الكفاءات الطبية.

وتطرح هذه المعطيات سؤالاً يتجاوز حجم الميزانية: هل تستطيع الدولة بناء منظومة صحية فعالة من دون معالجة التوزيع الجغرافي للموارد البشرية، وتحسين ظروف العمل، وتطوير البنية التحتية، وربط التمويل بالحكامة والنتائج؟

الإصلاح الصحي، في هذا السياق، لا يمكن اختزاله في تعميم التأمين؛ فالتغطية المالية لا تعني بالضرورة وجود خدمة صحية متاحة في المكان والوقت المناسبين.

التعليم: إصلاح القطاع تحت ضغط الاحتجاج الاجتماعي

كان إصلاح التعليم بدوره في قلب الخطاب الحكومي، خصوصاً ما يتعلق بتعزيز مكانة المدرس، وتطوير المناهج، وتحسين جودة التعلمات الأساسية.

غير أن السنوات الماضية شهدت واحدة من أكبر موجات الاحتجاج في قطاع التعليم، على خلفية النظام الأساسي الجديد لموظفي التربية الوطنية، قبل أن تدخل الحكومة والنقابات في مفاوضات انتهت إلى تعديلات واتفاقات جديدة.

وقد كشفت الأزمة عن تحدٍ مؤسساتي يتجاوز تفاصيل النظام الأساسي نفسه: كيف يمكن تنفيذ إصلاح عميق للتعليم من دون بناء توافق مستدام مع الفاعلين الأساسيين داخل المدرسة العمومية؟

فالإصلاح التربوي يحتاج إلى الاستقرار المؤسساتي بقدر حاجته إلى التمويل، وإلى ثقة المدرسين والأسر والمجتمع في الأهداف والوسائل.

القدرة الشرائية والتضخم: الاختبار الأكثر مباشرة

ربما كان ارتفاع الأسعار أحد أكثر الملفات حضوراً في الحياة اليومية للمواطنين. فقد تعرض الاقتصاد المغربي، مثل اقتصادات عديدة، لموجة تضخمية ارتبطت بعوامل دولية، من بينها اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية والغذاء، فضلاً عن آثار الجفاف على الإنتاج الفلاحي.

وبالنسبة للأسر، لا تقاس الأزمة بمؤشر التضخم وحده، وإنما بقدرتها الفعلية على الحفاظ على مستوى معيشتها.

وهنا تظهر أهمية السياسة الاجتماعية في التخفيف من آثار الصدمات الاقتصادية. فالدعم المباشر، والحوار الاجتماعي، ودعم بعض الأسعار أو القطاعات، كلها أدوات يمكن أن تخفف من أثر التضخم، لكنها لا تعالج بالضرورة أسبابه البنيوية.

العالم القروي والجفاف: تحدٍ يتجاوز الحكومة

شكلت أزمة المياه والجفاف أحد أكبر الاختبارات التي واجهت البلاد خلال الولاية الحكومية.

فالمغرب يعيش في منطقة شديدة الحساسية للتغيرات المناخية، وأصبحت ندرة المياه عاملاً يؤثر في الفلاحة، والتشغيل، والأسعار، والاستقرار الاجتماعي في المناطق القروية.

ومن ثم، فإن تقييم السياسات العمومية في هذا المجال يجب ألا يقتصر على نتائج موسم فلاحي واحد، بل ينبغي أن يأخذ في الاعتبار التحولات المناخية طويلة المدى، وفعالية سياسة السدود، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، وترشيد الاستهلاك، وإعادة توزيع الموارد بين القطاعات.

المرأة وسوق العمل: فجوة مستمرة

ظل ضعف مشاركة النساء في سوق العمل أحد أبرز التحديات البنيوية للاقتصاد المغربي.

وقد ارتبطت هذه الإشكالية بعوامل متعددة، من بينها ضعف خدمات رعاية الأطفال، والفوارق المجالية، وطبيعة فرص العمل المتاحة، والتفاوت في الأجور، إضافة إلى عوامل اجتماعية وثقافية.

لذلك فإن رفع معدل النشاط الاقتصادي للنساء يحتاج إلى سياسة متكاملة تجمع بين التشغيل، والحماية الاجتماعية، والنقل، ورعاية الأطفال، والتكوين، وتحسين ظروف العمل.

الاقتصاد والاستثمار: بين المؤشرات الكلية والواقع الاجتماعي

حقق المغرب خلال السنوات الأخيرة تطوراً في عدد من القطاعات الصناعية والتصديرية، خصوصاً السيارات والطيران والطاقات المتجددة، كما واصل استقطاب استثمارات أجنبية ومشاريع استراتيجية.

غير أن السؤال الاجتماعي يبقى قائماً حول مدى قدرة هذه الدينامية الاقتصادية على إنتاج وظائف كافية وتحسين توزيع الثروة.

فالنجاح في جذب الاستثمارات لا يصبح بالضرورة نجاحاً اجتماعياً ما لم ينعكس على التشغيل، والدخل، والإنتاجية، وتطوير المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتقليص الفوارق الترابية.

الحصيلة تحتاج إلى أكثر من خطاب سياسي

تقييم خمس سنوات من الحكم يقتضي، من الناحية المؤسساتية، التمييز بين ثلاثة مستويات: الوعود التي تحققت، وتلك التي تحققت جزئياً، وتلك التي ما زالت قيد التنفيذ أو لم تتحقق وفق الآجال المعلنة.

كما يقتضي الفصل بين مسؤولية الحكومة المباشرة وبين العوامل الخارجية والبنيوية التي أثرت في الاقتصاد المغربي، من الجفاف إلى التضخم العالمي وتداعيات الأزمات الجيوسياسية.

وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت الحكومة قد نفذت برنامجها الانتخابي، وإنما بمدى قدرة الدولة على تحويل الإصلاحات الكبرى إلى نتائج قابلة للقياس في حياة المواطنين.

فـ«الدولة الاجتماعية» ليست شعاراً انتخابياً فحسب، بل مشروعاً مؤسساتياً طويل الأمد، يتطلب موارد مالية مستدامة، وإدارة فعالة، وحكامة شفافة، وسياسات عمومية قابلة للتقييم، وآليات واضحة للمساءلة.

وبين الخطاب والنتائج، تبقى الحصيلة النهائية موضوعاً سياسياً ومؤسساتياً مفتوحاً على النقاش، لا تحسمه الشعارات ولا الانتقادات وحدها، وإنما تحسمه المؤشرات، والبيانات الرسمية، وجودة الخدمات العمومية، وقدرة المواطنين على لمس أثر الإصلاحات في حياتهم اليومية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com