الإصلاح القنصلي لا يكتمل بتغيير القناصل: حين تحتاج الكفاءات إلى فريق يواكبها

بوشعيب البازي

Screenshot

شهدت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج خلال السنوات الأخيرة تحولات لافتة في طريقة تدبير العمل الدبلوماسي والقنصلي، سواء من خلال تجديد عدد من المسؤولين، أو فتح باب الترشيحات، أو الدفع بكفاءات جديدة إلى مواقع المسؤولية. وفي سنة 2026، أعلنت الوزارة عن تعيين 21 قنصلاً عاماً جديداً، في خطوة قُدّمت باعتبارها جزءاً من توجه نحو تجديد الكفاءات وتعزيز الخبرة داخل الشبكة القنصلية المغربية. كما أشارت الوزارة إلى أن نحو 40 في المائة من القناصل العامين المعينين حديثاً نساء.

هذه الدينامية تستحق التقدير، لأنها تعكس وعياً متزايداً بأن القنصلية لم تعد مجرد إدارة لتسليم الوثائق وإنجاز المعاملات، بل أصبحت واجهة مباشرة للدولة في علاقتها بمواطنيها في الخارج. غير أن نجاح الإصلاح لا يتوقف عند اختيار القنصل العام، مهما بلغت كفاءته وتجربته، وإنما يرتبط أيضاً بالطاقم الذي يعمل إلى جانبه، وبمدى قدرته على تحويل الرؤية الإدارية إلى ممارسة يومية يشعر بها أفراد الجالية.

القنصل الكفء يحتاج إلى فريق كفء

قد تختار الوزارة قنصلاً عاماً يتمتع بالخبرة، والدينامية، والقدرة على التواصل، وفهم التحولات التي يعرفها مجتمع المغاربة المقيمين بالخارج. وقد يكون المسؤول الجديد حاملاً لرؤية واضحة لتطوير أداء القنصلية، والانفتاح على الجالية، وتحسين علاقتها بمؤسسات المجتمع المدني والإعلام والسلطات المحلية في بلد الاستقبال.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا يحدث عندما يجد هذا القنصل نفسه أمام فريق لا يمتلك المستوى نفسه من التكوين أو المهارات أو القدرة على التواصل؟

هنا تظهر إحدى الإشكالات التي لا تحظى بالقدر الكافي من النقاش.

فالقنصلية في النهاية ليست شخص القنصل العام. إنها مؤسسة متكاملة، وكل موظف فيها يمثل الدولة، سواء كان في مكتب الاستقبال أو في مصلحة الحالة المدنية أو في قسم الجوازات أو في الشؤون الاجتماعية أو في التعامل المباشر مع المرتفقين.

ومن ثم، فإن وضع كفاءة عالية على رأس قنصلية دون توفير فريق مؤهل ومتكامل قد يجعل الإصلاح محدود الأثر. فالقائد الإداري يستطيع اتخاذ القرار، وتحديد الأولويات، ووضع خطة للعمل، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يعوض ضعف الأداء في مختلف المصالح.

الجالية لا تتعامل مع “المؤسسة” في التجريد

المواطن المغربي الذي يدخل القنصلية لا يعرف بالضرورة الهيكل الإداري للوزارة، ولا يميز بين مسؤول وآخر. بالنسبة إليه، الموظف الذي يستقبله هو وجه القنصلية، وربما وجه الدولة المغربية في تلك اللحظة.

ولهذا فإن طريقة الحوار، واحترام المرتفق، والقدرة على الإنصات، وشرح المساطر، والتعامل مع الحالات الاستثنائية، كلها عناصر تؤثر مباشرة في صورة المؤسسة.

المشكلة لا تكون دائماً في المسطرة نفسها، وإنما أحياناً في الطريقة التي يتم بها شرحها أو تطبيقها.

فموظف يفتقر إلى التكوين المستمر في التواصل الإداري والقانوني والثقافي قد يحول حالة بسيطة إلى نزاع، بينما يستطيع موظف متمكن من أدوات الحوار أن يعالج الإشكال نفسه بهدوء ووضوح، وأن يحافظ في الوقت ذاته على هيبة الإدارة وكرامة المواطن.

وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى الانتقال من مفهوم تغيير المسؤولين إلى مفهوم أوسع هو إعادة بناء الكفاءات داخل المؤسسة القنصلية.

لا يكفي تغيير القنصل إذا بقيت العقلية نفسها

الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يقاس بعدد القناصل الذين تم تغييرهم، وإنما بمدى تغير طريقة اشتغال القنصلية.

فإذا تم تعيين قنصل عام جديد يتمتع بالكفاءة والطموح، ثم وجد أمامه موظفين لم يستفيدوا منذ سنوات من تكوين حقيقي في مجالات التواصل، والقانون القنصلي، وتدبير النزاعات، والرقمنة، والتعامل مع الأجيال الجديدة من الجالية، فإن جزءاً من الإصلاح سيبقى معطلاً.

والأخطر أن هذا الوضع قد يضع القنصل نفسه في مواجهة يومية مع مشاكل كان يفترض أن يعالجها جهاز إداري مؤهل قبل وصولها إلى مكتبه.

فالسؤال الذي يطرح نفسه هو من المسؤول على هذه العناصر الذين يسيؤون إلى سمعة القنصليات ؟ هل المشكل في طريقة انتقاء هؤلاء الموظفين او تقييم المسؤولين لهذا الموظف خلال مساره المهني ؟ فالمسؤول الذي يريد أن يجعل من القنصلية مؤسسة نموذجية يحتاج إلى مساعدين وموظفين يشاركونه الرؤية، لا إلى طاقم ينتظر منه فقط تنفيذ التعليمات الروتينية.

مقارنة ضرورية بين السفارات والقنصليات

المفارقة أن بعض السفارات استطاعت، في عدد من الحالات، بناء فرق عمل أكثر انسجاماً مع طبيعة المهام الدبلوماسية الحديثة، بما يسمح للسفير بالتركيز على الملفات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والعلاقات مع مؤسسات بلد الاعتماد.

أما العمل القنصلي، بحكم احتكاكه اليومي والمباشر بمئات الآلاف من المواطنين، فيحتاج إلى مستوى مماثل من الاستثمار في الموارد البشرية.

فالقنصلية الحديثة تحتاج إلى موظف يعرف القانون، لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يعرف كيف يتواصل. وتحتاج إلى موظف إداري، لكنه مطالب كذلك بفهم خصوصيات الجالية في البلد الذي يعمل فيه. كما تحتاج إلى موظفين قادرين على استخدام الوسائل الرقمية، والتعامل مع الضغط، وتدبير الشكايات، وفهم طبيعة النزاعات التي قد تنشأ بين المرتفق والإدارة.

إنها مهارات لا تأتي دائماً مع الأقدمية وحدها، بل تحتاج إلى تكوين مستمر وتقييم دوري وربط المسؤولية بالكفاءة.

“إعادة التربية” الإدارية ليست عقوبة

الحديث عن إعادة تكوين بعض الموظفين لا ينبغي أن يُفهم باعتباره عقوبة أو تشكيكاً في مسارهم المهني. بل على العكس، فإن التكوين المستمر يجب أن يصبح جزءاً طبيعياً من العمل الدبلوماسي والقنصلي.

موظف قضى سنوات في العمل قد يكون في حاجة إلى تحديث معارفه أكثر من موظف جديد، لأن الإدارة نفسها تتغير، والقوانين تتغير، ووسائل التواصل تتغير، والجالية نفسها تتغير.

فالجالية المغربية في أوروبا اليوم ليست هي جالية الأمس. هناك أجيال شابة ولدت في بلدان الإقامة، وأسر مزدوجة الثقافة، ومواطنون يتعاملون يومياً مع إدارات أوروبية تعتمد معايير دقيقة في التواصل والرقمنة والشفافية. ولذلك فإن القنصلية مطالبة بأن تتكيف مع هذه التحولات.

منطق جديد: القنصلية كفريق وليس كأشخاص

المرحلة المقبلة تحتاج، في تقديرنا، إلى تطوير نموذج واضح لتقييم الأداء القنصلي، لا يقتصر على المسؤول الأول.

يمكن أن يشمل ذلك تكويناً إلزامياً ودورياً للموظفين، وتقييماً لمهارات التواصل، وقياساً لرضا المرتفقين، ومراجعة طرق معالجة الشكايات، وتكويناً خاصاً في تدبير النزاعات، إضافة إلى تكريس ثقافة العمل الجماعي داخل القنصلية.

كما ينبغي منح القناصل العامين هامشاً أكبر لاختيار أو اقتراح الكفاءات التي يمكنها مساعدتهم في تنفيذ مشاريع الإصلاح، لأن المسؤول الذي تتم محاسبته على النتائج يحتاج، بالضرورة، إلى فريق يستطيع من خلاله تحقيق تلك النتائج.

الجالية تحتاج إلى قنصلية تسمع قبل أن تجيب

إن جوهر العمل القنصلي ليس فقط في الوثيقة التي تُسلّم، أو الطابع الذي يوضع، أو الملف الذي تتم معالجته. إنه أيضاً في العلاقة الإنسانية بين الإدارة والمواطن.

وعندما يشعر المغربي المقيم بالخارج بأن الموظف يستمع إليه ويحاول مساعدته ويشرح له حقوقه وواجباته، فإن الثقة في المؤسسة ترتفع. أما عندما يتحول الحوار إلى مواجهة، أو يشعر المواطن بأنه غير مرغوب فيه داخل الإدارة التي يفترض أن تمثله، فإن الضرر يتجاوز الموظف والقنصلية ليطال صورة الدولة نفسها.

لهذا فإن الإصلاح القنصلي الحقيقي ينبغي أن يقوم على معادلة واضحة: قنصل كفء + فريق مؤهل + تكوين مستمر + تقييم موضوعي + ثقافة احترام المرتفق.

لقد قطعت وزارة الخارجية أشواطاً مهمة في إعادة النظر في تدبير الشبكة القنصلية، وتظهر التعيينات الأخيرة استمرار هذا المسار. لكن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر أهمية: الانتقال من إصلاح رأس الهرم إلى إصلاح المؤسسة بكاملها.

فالقنصل العام مهما بلغت كفاءته لا يستطيع أن يصنع قنصلية ناجحة بمفرده. والسفير مهما كان متمكناً يحتاج إلى فريق يسنده. والوزارة، مهما كانت رؤيتها طموحة، تحتاج في نهاية المطاف إلى موظف مؤهل يجسد هذه الرؤية أمام المواطن.

الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح الكفاءة ثقافة داخل القنصلية، وليس مجرد اسم في قرار تعيين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com