الفنيدق تحت التأهب.. حين يصبح منع العبور عنواناً لأزمة أعمق لدى الشباب المغربي

بوشعيب البازي

رفعت السلطات المغربية، الخميس 13 غشت 2026، درجة التأهب في محيط مدينة الفنيدق ومعبر سبتة، في إطار إجراءات استباقية لمنع محاولات عبور جماعي نحو المدينة المحتلة، بعد تداول دعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي تحدد يوم 15 غشت موعداً لمحاولة جديدة.

وبحسب المعطيات المتداولة ميدانياً، شملت الإجراءات تشديد المراقبة على مداخل الفنيدق، وتعزيز حضور الدرك الملكي والأمن والقوات المساعدة، إلى جانب مراقبة المسالك والمناطق الغابوية والساحلية، ومنع غير المسافرين من الاقتراب من محيط المعبر. كما اقتصرت إمكانية الوصول إلى بعض النقاط القريبة من بوابة سبتة على المسافرين الذين يتوفرون على الوثائق والتذاكر المطلوبة.

هذه الإجراءات تبدو، من منظور أمني، مفهومة في سياق الرغبة في منع اقتحام جماعي للحدود وتفادي المخاطر التي قد تنتج عنه. غير أن اختزال ظاهرة الهجرة غير النظامية في المقاربة الأمنية وحدها يطرح سؤالاً أكبر وأكثر إلحاحاً: لماذا يصر بعض الشباب المغاربة على المخاطرة بحياتهم للوصول إلى الضفة الأخرى؟

فالمشهد المتكرر في الفنيدق ليس مجرد محاولة عابرة لاجتياز سياج أو الوصول إلى مدينة أوروبية. إنه، في جزء منه، انعكاس لأزمة ثقة وأفق لدى فئات من الشباب ترى في الهجرة مخرجاً من واقع اقتصادي واجتماعي لا يمنحها، في نظرها، فرصاً كافية لبناء مستقبل مستقر.

سبتة ليست المشكلة.. وإنما ما الذي يدفع الشباب إليها؟

من السهل أمنياً التعامل مع محيط سبتة باعتباره منطقة يجب تأمينها، ومن الطبيعي أن تعمل السلطات على منع عمليات الاقتحام وحماية الحدود. لكن السؤال السياسي والاجتماعي يتجاوز السياج الحدودي: ما الذي يجعل شاباً مغربياً يعتقد أن عبور ذلك السياج، مهما كانت مخاطره، أفضل من البقاء في بلده؟

هل يتعلق الأمر بالبطالة فقط؟ أم بضعف الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة؟ أم بتفاوت الفرص بين الجهات؟ أم بالشعور بعدم تكافؤ الفرص الاجتماعية؟ أم بضعف الثقة في إمكانية تحقيق الصعود الاجتماعي داخل البلاد؟

ثم هناك سؤال أكثر عمقاً: هل تقدم السياسات العمومية للشباب المغربي ما يكفي من أسباب تجعله يختار البقاء، لا لأنه ممنوع من المغادرة، وإنما لأنه يجد داخل وطنه مستقبلاً يستحق الانتظار؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من جهود الدولة في مكافحة الهجرة غير النظامية، ولا تبرر محاولات اقتحام الحدود، لكنها تضع الظاهرة في سياقها الحقيقي. فالشاب الذي يخاطر بحياته في البحر أو يحاول اجتياز الحدود لا يتحرك دائماً بدافع المغامرة وحدها؛ وفي حالات كثيرة يكون مدفوعاً بإحساس بأن المسافة بين طموحه والواقع الذي يعيشه أصبحت أكبر من قدرته على تحملها.

المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي

لقد أثبتت التجارب المتتالية أن تشديد المراقبة يمكن أن يمنع محاولة محددة أو يؤجلها، لكنه لا يستطيع وحده إنهاء الرغبة في الهجرة. فكلما أغلقت مسارات، ظهرت أخرى، وكلما ارتفعت كلفة العبور، بحث المرشحون للهجرة عن طرق أكثر خطورة.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تأمين الفنيدق أو مراقبة الشريط الساحلي، وإنما في معالجة الظروف التي تجعل الهجرة تبدو لبعض الشباب خياراً أكثر جاذبية من المستقبل داخل المغرب.

ويتطلب ذلك سياسات أكثر ارتباطاً بالواقع اليومي للشباب: فرص عمل مستقرة، أجور تسمح بالعيش الكريم، تكوين مهني مرتبط بحاجات السوق، دعم حقيقي للمبادرات الاقتصادية، وعدالة أكبر في توزيع الفرص والاستثمارات بين المناطق.

مدينة حدودية تدفع ثمن ظاهرة أكبر منها

الفنيدق، في المقابل، تجد نفسها في قلب معادلة معقدة. فهي مدينة سياحية وتجارية وحدودية، ويشكل استقرارها الاقتصادي والاجتماعي عاملاً أساسياً لسكانها وللنشاط المرتبط بالحركة التجارية والسياحية. ولذلك فإن تحويلها بشكل متكرر إلى نقطة استنفار أمني لا يخلو من تداعيات على صورتها وعلى الحياة الاقتصادية المحلية.

وفي الوقت الذي تعيش فيه المدينة خلال شهر غشت ذروة الحركة السياحية وارتفاع الطلب على الإقامة، تجد نفسها أيضاً تحت ضغط أمني استثنائي بسبب دعوات مجهولة المصدر يتم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي.

وهنا تبرز مسؤولية أخرى: كيف يمكن حماية الحدود والحفاظ على النظام العام، من دون أن تتحول المدن الحدودية إلى فضاءات أمنية مغلقة؟ وكيف يمكن حماية الصحافيين والمواطنين وحرية الحركة، مع ضمان عدم استغلال المنطقة لتنظيم محاولات عبور جماعي؟

الهجرة مرآة للمجتمع

ربما يكون السؤال الأكثر إزعاجاً هو: ماذا تقول لنا محاولات الهجرة عن المغرب نفسه؟

فإذا كان بلد ما يستثمر في البنية التحتية الكبرى ويحقق نمواً اقتصادياً ومشاريع استراتيجية، لكنه في المقابل يجد آلاف الشباب مستعدين للمخاطرة بحياتهم للوصول إلى أوروبا، فإن الأرقام الاقتصادية وحدها لا تكفي لقياس مستوى الإحساس بالرفاه والثقة في المستقبل.

الشباب لا يقيسون نجاح السياسات العمومية فقط بعدد المشاريع المنجزة، بل بقدرتهم على الحصول على عمل، وتكوين أسرة، واستئجار أو شراء مسكن، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، والشعور بأن الكفاءة والاجتهاد يمكن أن يفتحا أمامهم أبواباً حقيقية.

ومن هنا، فإن معالجة الهجرة غير النظامية تبدأ من الحدود، لكنها لا تنتهي عندها. تبدأ من حماية الأرواح ومنع العبور الخطير، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى إصلاحات اجتماعية واقتصادية تجعل قرار البقاء داخل الوطن خياراً ممكناً ومقنعاً.

بين حماية الحدود وبناء الأمل

لا يمكن لأي دولة أن تقبل باقتحام حدودها أو أن تسمح بتنظيم عمليات عبور جماعي خارج القانون. غير أن الدولة القوية لا تكتفي بمنع مواطنيها من الوصول إلى الضفة الأخرى؛ بل تعمل أيضاً على جعل الضفة الداخلية أكثر جاذبية لهم.

لذلك، فإن ما يحدث في الفنيدق ينبغي ألا يُقرأ فقط باعتباره ملفاً أمنياً، بل باعتباره إنذاراً اجتماعياً يستحق النقاش الهادئ والمسؤول.

فالسؤال الحقيقي ليس فقط: كيف نمنع الشباب من عبور الحدود؟

بل أيضاً: ماذا يجب أن نفعل حتى لا يصبح عبور الحدود حلماً، وحتى لا يرى شاب مغربي مستقبله في مكان آخر قبل أن يراه في بلده؟

وبين هذين السؤالين تتحدد فعالية أي سياسة مغربية مستقبلية في مجال الهجرة: حماية الحدود من جهة، وبناء أسباب البقاء من جهة أخرى. فإغلاق الطريق إلى سبتة قد يمنع العبور، لكنه لن يغلق سؤالاً أعمق: لماذا يريد هؤلاء الشباب الرحيل أصلاً؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com