الانتخابات في المغرب: حين تتحول الوليمة إلى وسيلة لاستمالة الناخب

بوشعيب البازي

Officials work at a polling station during the parliamentary election, in Baghdad, Iraq, October 10, 2021. REUTERS/Thaier al-Sudani

 

حين يصبح الناخب رقماً في معادلة انتخابية

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في المغرب، يعود إلى الواجهة نقاش قديم يتجدد في كل موسم انتخابي: هل ما تزال البرامج والأفكار هي التي تصنع قناعة الناخب، أم أن بعض الممارسات تحاول اختزال العملية السياسية في الولائم والهدايا والمنافع والوعود؟

الصورة المتداولة التي تنتقد تحول الناخب من مواطن إلى شخص تتم استمالته بالطعام، تحمل في ظاهرها طابعاً ساخراً، لكنها تطرح سؤالاً جدياً حول طبيعة الممارسة الانتخابية وحول مدى احترام إرادة المواطن. فالانتخابات يفترض أن تكون مناسبة لاختيار من يمتلك مشروعاً لتدبير الشأن العام، لا منافسة حول من يستطيع تنظيم أكبر وليمة أو تقديم أكبر عدد من الخدمات الفردية.

من البرنامج الانتخابي إلى منطق «ماذا ستعطيني؟»

جوهر العملية الديمقراطية هو أن يختار المواطن ممثليه بناءً على البرامج والكفاءة والنزاهة والقدرة على تحقيق المصلحة العامة. غير أن بعض الممارسات الانتخابية قد تدفع النقاش في اتجاه مختلف، حين يصبح السؤال المطروح على المرشح ليس: «ماذا ستفعل؟»، وإنما: «ماذا ستقدم لي؟».

وهنا تكمن الخطورة. فعندما يتحول السياسي إلى مقدم خدمات شخصية، والناخب إلى مستفيد ينتظر مقابلاً مباشراً، تتراجع فكرة التمثيل السياسي لصالح علاقة تقوم على المنفعة المتبادلة. وفي هذه الحالة، يصبح الصوت الانتخابي معرضاً لأن يتحول من حق دستوري إلى ورقة تفاوض.

الفقر والحاجة لا يجب أن يتحولا إلى أدوات انتخابية

لا يمكن تجاهل الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها جزء من المواطنين. فارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة وضعف القدرة الشرائية تجعل بعض الفئات أكثر هشاشة أمام الإغراءات المادية، خصوصاً خلال الحملات الانتخابية.

لكن مسؤولية حماية المواطن من الاستغلال لا يمكن أن تقع عليه وحده. فاستعمال الحاجة الاجتماعية للتأثير في الاختيار السياسي يضرب مبدأ تكافؤ الإرادات، ويجعل المواطن أمام مفاضلة غير متكافئة بين حاجته الآنية ومستقبله السياسي.

المساعدة الاجتماعية تكون ذات معنى عندما تكون مؤطرة بالقانون، وموجهة وفق معايير واضحة، ولا ترتبط بشرط انتخابي مباشر أو غير مباشر.

الولائم الانتخابية بين الضيافة والاستمالة

الضيافة جزء أصيل من الثقافة المغربية، ولا يمكن اعتبار كل تجمع أو مأدبة خلال فترة انتخابية دليلاً على وجود تجاوز. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الوليمة من مناسبة اجتماعية إلى أداة لاستمالة الناخبين.

فالسياسي الذي يريد الحصول على ثقة المواطن يفترض أن يقدم له مشروعاً، لا أن يكتفي بإشباع حاجته المؤقتة. والناخب بدوره مطالب بأن يميز بين المجاملة الاجتماعية وبين محاولة التأثير في قراره الانتخابي.

فالانتخابات ليست مناسبة لاختبار قدرة المرشح على تنظيم الولائم، وإنما مناسبة لاختبار قدرته على تقديم حلول واقعية لمشكلات المواطنين.

المال والنفوذ يهددان تكافؤ الفرص

حين يدخل المال بقوة إلى المنافسة الانتخابية، لا يعود التنافس متكافئاً بالضرورة. فالمرشح الذي يمتلك إمكانات مالية أو شبكة واسعة من العلاقات قد يكون قادراً على الوصول إلى عدد أكبر من الناخبين، بينما يجد مرشح آخر نفسه عاجزاً عن منافسته رغم امتلاكه برنامجاً أكثر جدية.

لهذا فإن مراقبة تمويل الحملات الانتخابية ليست مسألة تقنية، بل جزء أساسي من حماية نزاهة العملية الديمقراطية. فكلما غابت الشفافية، اتسعت مساحة الشك، وتراجعت ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.

المواطن المغربي ليس مجرد صوت انتخابي

من الخطأ اختزال الناخب المغربي في شخص يمكن استمالته بسهولة بوجبة أو مبلغ مالي أو وعد شخصي. المجتمع المغربي تغير، والمواطن أصبح أكثر اطلاعاً وقدرة على مقارنة البرامج وتتبع أداء المنتخبين ومساءلتهم.

لكن تعزيز هذا الوعي يتطلب أيضاً مسؤولية من الأحزاب والمرشحين ووسائل الإعلام والمجتمع المدني. فالمطلوب ليس فقط مطالبة المواطن بعدم بيع صوته، وإنما خلق بيئة سياسية تجعله يشعر بأن صوته قادر فعلاً على تغيير السياسات والوجوه والنتائج.

الانتخابات ليست موسم الولائم

الانتخابات ليست مجرد يوم يذهب فيه المواطن إلى صندوق الاقتراع، وإنما مسار يبدأ بالنقاش العمومي ويستمر بالمراقبة والمساءلة بعد إعلان النتائج.

ولهذا ينبغي أن تتحول الحملات الانتخابية إلى فضاء لطرح الأسئلة الحقيقية: كيف سيتم خلق فرص العمل؟ كيف ستتحسن الخدمات الصحية؟ ماذا عن التعليم؟ كيف ستتم محاربة الفساد؟ ما هي حلول أزمة النقل والسكن؟ وكيف سيتم تدبير المال العام؟

هذه الأسئلة أهم بكثير من حجم الوليمة أو قيمة الهدية التي يقدمها المرشح.

من «ماذا أعطيتني؟» إلى «ماذا ستفعل؟»

التغيير الحقيقي في الثقافة الانتخابية يبدأ من تغيير السؤال.

عندما يسأل المواطن المرشح: «ماذا ستفعل من أجل منطقتي؟»، فإنه يضع السياسي أمام مسؤوليته. وعندما يسأله: «ماذا ستعطيني؟»، فإنه يخاطر بتحويل العلاقة إلى صفقة قصيرة الأمد.

المواطن لا يحتاج إلى من يشتري رضاه، بل إلى من يحترم صوته. والمنتخب لا ينبغي أن يكون مطالباً بإرضاء الأفراد بمنافع شخصية، وإنما بتحسين شروط الحياة للجميع من خلال السياسات العمومية.

صندوق الاقتراع ليس مائدة انتخابية

في نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الديمقراطية بعدد الولائم التي تنظم خلال الحملات، ولا بعدد الوعود والهدايا التي توزع على المواطنين.

الديمقراطية تقاس بقدرة المواطن على الاختيار الحر، وبقدرة المرشح على إقناعه بالبرنامج والكفاءة والنزاهة، وبقدرة المؤسسات على ضمان تكافؤ الفرص وتطبيق القانون على الجميع.

فالوجبة تنتهي خلال دقائق، والهدية قد تُنسى بعد أيام، أما الصوت الانتخابي فقد يحدد مستقبل مدينة أو جماعة أو مؤسسة لسنوات.

ولهذا، فإن المواطن الذي يحترم صوته لا يبيعه، والسياسي الذي يحترم المواطن لا يحاول شراءه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com