من وعود التنمية إلى واقع الاختناق الاجتماعي: المغرب بين غلاء المعيشة وهجرة الأمل
بوشعيب البازي
لم يعد من الممكن قراءة الوضع الاجتماعي في المغرب من خلال الخطابات الرسمية التي تتحدث عن “النموذج التنموي” و“الإقلاع الاقتصادي” و“المغرب الصاعد”. فبين اللغة المعيارية للتقارير الحكومية، والواقع المعيشي اليومي، تتسع فجوة تبدو اليوم أقرب إلى هوة اجتماعية صامتة، لكنها عميقة بما يكفي لتفسير الكثير من الظواهر، وعلى رأسها موجات الهجرة المتزايدة، سواء في صفوف الشباب أو الكفاءات أو حتى الفئات التي كانت تُعتبر مستقرة نسبيًا.
في بلد يُفترض أنه يعيش دينامية إصلاحية، يبدو أن المؤشرات الاجتماعية الأساسية تسير في اتجاه معاكس: غلاء مستمر، هشاشة في سوق الشغل، تراجع في الثقة، وتآكل بطيء في الإحساس بالعدالة الاجتماعية.
غلاء المعيشة: اقتصاد ينمو… ومجتمع يضيق
من المفارقات اللافتة في الحالة المغربية أن الحديث عن النمو الاقتصادي لا ينعكس بالضرورة على القدرة الشرائية للمواطن. فارتفاع أسعار المواد الأساسية، من الغذاء إلى الطاقة والنقل، لم يعد حدثًا ظرفيًا مرتبطًا بأزمات عالمية، بل أصبح بنية شبه دائمة تعيد تشكيل الحياة اليومية للأسر.
في الأسواق، لم يعد السؤال يتعلق بارتفاع الأسعار، بل بسرعة ارتفاعها. أما الأجور، فغالبًا ما تبدو وكأنها خارج الزمن الاقتصادي نفسه. هذا الانفصال بين الدخل وتكلفة العيش خلق نوعًا من “التكيف القسري”، حيث لم يعد المواطن يناقش مستوى الرفاه، بل حدود البقاء الاقتصادي.
والنتيجة ليست فقط ضغطًا معيشياً، بل إعادة ترتيب اجتماعي صامت: طبقة وسطى تتآكل ببطء، وفئات دنيا تتوسع، وشعور عام بأن الاقتصاد يتحرك، لكن ليس في اتجاه المجتمع.
سوق شغل يَعِد ولا يَستوعب
في قلب الأزمة الاجتماعية، يبرز سوق الشغل كأحد أكثر المجالات تعبيرًا عن الاختلال البنيوي. فالبطالة، خصوصًا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، لم تعد مجرد مرحلة انتقالية، بل أصبحت مسارًا طويل الأمد يفرض إعادة تعريف العلاقة بين التعليم والعمل.
المشكلة لا تكمن فقط في نقص فرص الشغل، بل في طبيعة هذه الفرص نفسها: هشّة، مؤقتة، أو غير متناسبة مع التكوين الأكاديمي. وهكذا يتحول “الاستثمار في التعليم” إلى معادلة غير مضمونة العائد، ما يخلق شعورًا متزايدًا بعدم الجدوى لدى فئات واسعة من الشباب.
وفي ظل هذا الوضع، يصبح الحديث عن “تشجيع المبادرة الخاصة” أو “الابتكار” أقرب إلى خطاب معياري لا يجد دائمًا ترجمته في الواقع، حيث تظل شروط الانطلاق غير متكافئة، والتمويل محدودًا، والبيروقراطية حاضرة بثقلها المعروف.
الفساد: من الاستثناء إلى الإحساس بالاستمرارية
لا يحتاج الحديث عن الفساد في المغرب إلى مبالغة، بقدر ما يحتاج إلى قراءة هادئة لآثاره التراكمية. فالمشكلة لم تعد فقط في وجود حالات فساد معزولة، بل في الإحساس العام بأن آليات المحاسبة لا تواكب حجم الاختلالات، وأن نفس البنى الإدارية والسياسية تستمر في إعادة إنتاج نفسها دون تغيير جوهري في السلوك أو في منطق تدبير الشأن العام.
هذا الإحساس، سواء كان مدعومًا بأرقام دقيقة أو بتجارب يومية، يخلق ما يمكن تسميته بـ“الفساد الإدراكي”، أي ذلك الشعور بأن القواعد ليست واحدة للجميع، وأن الوصول إلى الفرص أو الحقوق يمر أحيانًا عبر مسارات غير شفافة.
والأخطر من الفساد نفسه هو تطبيع المجتمع معه، ليس قبولًا به، بل قناعة ضمنية بأنه جزء من النظام العام، لا استثناء فيه.
نفس الوجوه… ونفس حدود التغيير
في المشهد السياسي والمؤسساتي، يلاحظ كثير من المتابعين استمرار نفس النخب في مواقع القرار، أو على الأقل إعادة تدويرها بأشكال مختلفة. هذا الاستمرار، حتى وإن كان مبررًا بخطاب “الخبرة والاستمرارية”، يطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة النظام العام على إنتاج بدائل حقيقية.
فالتغيير، في نظر جزء واسع من المواطنين، لم يعد يُقاس بتبدل الخطابات أو البرامج، بل بتجدد الفاعلين أنفسهم. ومع غياب هذا التجدد، يتعزز الإحساس بأن السياسة تتحرك داخل دائرة مغلقة، حيث تتغير التفاصيل دون أن يتغير الجوهر.
وهنا تتغذى المفارقة: خطاب رسمي يتحدث عن الإصلاح، مقابل واقع سياسي يوحي بالثبات أكثر من التحول.
الهجرة: ليست حلمًا… بل استراتيجية خروج
في هذا السياق، لم تعد الهجرة مجرد خيار فردي مرتبط بالطموح أو المغامرة، بل أصبحت في كثير من الحالات “استراتيجية عقلانية” للخروج من انسداد اجتماعي واقتصادي طويل الأمد.
الشباب، على وجه الخصوص، لا ينظرون إلى الهجرة كقطيعة مع الوطن، بقدر ما ينظرون إليها كامتداد طبيعي لمسار لم يعد يوفر لهم الحد الأدنى من التوقعات: عمل مستقر، دخل محترم، أو حتى أفق واضح للتقدم.
واللافت أن الهجرة لم تعد تقتصر على الفئات الهشة، بل تشمل أيضًا كفاءات مهنية وأطرًا عليا، ما يعكس تحولًا نوعيًا في الظاهرة: من هجرة الحاجة إلى هجرة الفرصة.
وفي الخلفية، تتشكل معادلة قاسية: كلما ازدادت صعوبة العيش داخليًا، ازدادت جاذبية الخارج، حتى لو كان ذلك الخارج أكثر صرامة في شروطه وأكثر قسوة في اندماجه.
مفارقة الدولة الصاعدة والمجتمع المتعب
يُقدَّم المغرب في العديد من الخطابات الدولية باعتباره بلدًا صاعدًا، منخرطًا في مشاريع كبرى وبنيات تحتية حديثة ودينامية استثمارية متسارعة. غير أن هذا “الصعود” يبدو، في نظر جزء من المجتمع، صعودًا غير متكافئ، حيث تتقدم المؤشرات الماكرو-اقتصادية بوتيرة أسرع من تحسن الحياة اليومية.
هذه المفارقة تخلق نوعًا من الانفصال بين صورتين: صورة دولة تتقدم في التصنيفات، وصورة مجتمع يواجه صعوبات متزايدة في التكيف مع كلفة هذا التقدم.
حين يصبح الاستقرار نفسه سؤالًا
لا يتعلق الأمر هنا بنفي أي تقدم أو إنكار أي إنجازات، بقدر ما يتعلق بتسليط الضوء على اختلال في التوازن بين المسار الاقتصادي والمسار الاجتماعي. فالدول لا تُقاس فقط بمعدلات النمو، بل بقدرتها على تحويل هذا النمو إلى شعور ملموس بالعدالة والفرص.
في الحالة المغربية، يبدو أن السؤال لم يعد فقط حول التنمية، بل حول معناها الاجتماعي: لمن تُوجَّه؟ ومن يستفيد منها فعليًا؟ ولماذا تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع؟
وفي انتظار إجابات أكثر وضوحًا، تستمر الهجرة في أداء دورها الصامت كـ“استفتاء اجتماعي غير معلن”، يعبر فيه جزء من المجتمع عن قناعته بأن الأفق، على الأقل خارج الحدود، يبدو أكثر قابلية للتصديق من الداخل.
وهكذا، بين غلاء يضغط، وفرص تتقلص، وثقة تتآكل، يصبح السؤال أكثر بساطة ومرارة في آن واحد: هل المشكلة في أن المغاربة يغادرون بلدهم… أم في أن البلد لم يعد يحتفظ بهم بما يكفي؟