لم يعد التنافس على الاستثمار في إفريقيا محصوراً في حجم رؤوس الأموال التي تنجح الدول في استقطابها، بل أصبح مرتبطاً بنوعية المشاريع وموقعها داخل التحولات الكبرى التي تعيد رسم الاقتصاد العالمي. وفي هذا السباق الجديد، يسعى المغرب إلى تثبيت موقعه باعتباره منصة صناعية ولوجستية وطاقية قادرة على ربط الأسواق الإفريقية بالأوروبية والدولية.
وتأتي هذه الدينامية في مرحلة تشهد فيها خريطة الاستثمار العالمي تحولاً عميقاً. فالمستثمرون الدوليون يعيدون النظر في مواقع الإنتاج وسلاسل الإمداد، فيما تتزايد أهمية الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والتصنيع المتقدم واللوجستيك والمعادن الحيوية والتكنولوجيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتضع منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» المغرب ضمن الاقتصادات الإفريقية التي تمكنت من الحفاظ على جاذبيتها بالنسبة إلى الاستثمارات الموجهة نحو القطاعات الاستراتيجية الصاعدة. ولا تكمن أهمية هذا التحول في حجم التدفقات المالية وحده، وإنما في طبيعة المشاريع التي يجري التنافس عليها، وفي قدرتها على تشكيل البنية الإنتاجية لعقود مقبلة.
إفريقيا.. جاذبية مستمرة رغم تباطؤ الاستثمار
تكشف معطيات الاستثمار العالمي عن مفارقة لافتة. فقد تراجعت القيمة الإجمالية لمشاريع الاستثمار الجديدة «Greenfield» في إفريقيا بنحو الثلث خلال 2025، في حين ارتفع عدد المشاريع المعلنة. ويعكس ذلك اتجاهاً نحو مشاريع أكثر عدداً وأقل حجماً، لكنها تستهدف في جزء مهم منها قطاعات ترتبط مباشرة بالتحولات الاستراتيجية للاقتصاد العالمي.
ورغم تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى القارة مقارنة بالمستوى الاستثنائي الذي سجلته في 2024، استقطبت إفريقيا نحو 70 مليار دولار خلال 2025، وهو ثالث أعلى مستوى منذ عام 1990، وأعلى بنحو الثلث من متوسط التدفقات المسجل على المدى الطويل.
هذه الأرقام تؤكد أن القارة لم تفقد جاذبيتها، لكنها دخلت مرحلة جديدة من المنافسة. فالمستثمر الدولي لم يعد ينظر إلى إفريقيا فقط باعتبارها سوقاً استهلاكية ذات إمكانات ديموغرافية كبيرة، وإنما باعتبارها مجالاً محتملاً لإعادة توزيع الإنتاج العالمي، وتأمين مصادر الطاقة والمواد الأولية، وإنشاء مراكز لوجستية وصناعية جديدة.
وتشير «الأونكتاد» إلى أن القطاعات الاستراتيجية أصبحت تستحوذ على حصة متزايدة من مشاريع الاستثمار الجديدة على المستوى العالمي، إذ بلغت حصتها 44 في المائة من القيمة الإجمالية للمشاريع المعلنة خلال 2025، مقابل 16 في المائة فقط في 2020.
وخلال خمس سنوات، ارتفعت قيمة هذه المشاريع من نحو 109 مليارات دولار إلى 576 مليار دولار، مدفوعة خصوصاً بالاستثمارات المرتبطة بالبنيات التحتية للذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والمعادن الحيوية، والانتقال الطاقي والتصنيع المتقدم.
المؤشر الأهم هنا هو أن معركة الاستثمار لم تعد تدور حول المال فقط، وإنما حول القدرة على استقطاب المشاريع التي ستحدد شكل الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة.
المغرب.. من جذب الاستثمار إلى بناء منصة إنتاج
في هذا السياق، تبدو الاستراتيجية المغربية أكثر ارتباطاً بتحولات الاقتصاد العالمي. فالمملكة لا تراهن فقط على استقبال الاستثمارات الأجنبية، وإنما تعمل على ترسيخ موقعها كمركز للإنتاج والتصدير وإعادة توزيع السلع والخدمات نحو أسواق متعددة.
ويقول رشيد ساري، رئيس المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، إن استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية يعكس، في تقديره، ثقة المستثمرين في القدرات التنافسية للمغرب، مستشهداً في ذلك بميثاق الاستثمار الجديد، وتحسن مناخ الأعمال، وتطور المناطق الاقتصادية والصناعية.
ويرى ساري أن المغرب تحول تدريجياً إلى محور صناعي على المستوى الإفريقي، ولا سيما في قطاعي السيارات والطيران، معتبراً أن المملكة تتوفر، رغم التحديات البيئية، على مقومات تؤهلها للاضطلاع بدور متقدم في مسار التصنيع القاري.
وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية في ضوء نتائج مؤشر أداء الاستثمار الأجنبي المباشر في المشاريع الجديدة لعام 2026، الصادر عن «fDi Intelligence» التابعة لمجموعة «فايننشال تايمز»، والذي وضع المغرب في المرتبة السابعة عالمياً، مع تسجيله 4.11 نقاط.
ولا تعكس هذه المرتبة مجرد تحسن في صورة المملكة الاستثمارية، بل تشير إلى قدرتها على استقطاب مشاريع جديدة مقارنة بحجم اقتصادها. وهي نقطة ذات دلالة، لأن الاستثمار في المشاريع الجديدة يختلف عن مجرد توسع الاستثمارات القائمة؛ فهو يعني استقطاب وحدات إنتاجية ومشاريع يمكن أن تدخل مباشرة في سلاسل القيمة والتصدير.
الموقع الجغرافي لم يعد وحده كافياً
لطالما شكل الموقع الجغرافي للمغرب بين أوروبا وإفريقيا والأطلسي أحد عناصر جاذبيته. غير أن الموقع، في اقتصاد عالمي شديد التنافس، لا يكفي بمفرده.
ما يمنح المملكة أفضلية إضافية هو تراكم عناصر أخرى: البنية التحتية المينائية واللوجستية، المناطق الصناعية، تطور صناعات السيارات والطيران، الطاقات المتجددة، والانفتاح التجاري على مجموعة واسعة من الأسواق.
ويقول رئيس مركز التفكير «مبادرة السياسات من أجل التنمية الاقتصادية» (PIED Africa) إن المغرب حافظ على موقع متقدم إفريقياً في مجالات الطاقات المتجددة والبنيات التحتية الصناعية واللوجستية والتحول الرقمي، معتبراً أن المملكة تشكل بوابة استراتيجية نحو القارة.
ومن هنا تتضح ملامح المعادلة التي تسعى الرباط إلى بنائها: استقطاب المستثمر الدولي إلى المغرب، ثم توفير الظروف التي تسمح له باستخدام المملكة قاعدة للتوسع في الأسواق الإفريقية.
وإذا نجحت هذه المعادلة، فإن قيمة المغرب في نظر المستثمر لن تكون مرتبطة بحجم السوق الداخلية فقط، بل بقدرته على توفير منظومة متكاملة للإنتاج والتصدير والوصول إلى أسواق متعددة.
الاختبار الحقيقي: ماذا يبقى من الاستثمار داخل الاقتصاد؟
غير أن استقطاب المشاريع لا يمثل نهاية المعادلة، بل بدايتها. فالسؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى الاقتصادات الإفريقية لا يتعلق فقط بحجم الأموال الداخلة، وإنما بما تتركه هذه الاستثمارات داخل الاقتصاد المحلي.
وتحذر «الأونكتاد» من أن أثر الاستثمار الأجنبي يرتبط بمدى اندماجه في الاقتصاد الوطني، من خلال تطوير الموردين المحليين، والتصنيع، ونقل التكنولوجيا، وخلق الوظائف، وبناء سلاسل قيمة قادرة على الاستمرار.
وهنا تحديداً يواجه المغرب اختبار المرحلة المقبلة.
فبعد سنوات من التركيز على إنشاء المناطق الصناعية واستقطاب الشركات العالمية، بات التحدي يتمثل في تعميق الاندماج بين هذه الشركات والنسيج الاقتصادي الوطني، ورفع نسبة المكونات المحلية، وتطوير المهارات، وتشجيع البحث والابتكار، وربط الاستثمار الأجنبي بالشركات المغربية الصغرى والمتوسطة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في قطاعات مثل السيارات والطيران والطاقة، حيث لا تقاس القوة الصناعية بعدد المصانع وحده، وإنما بمدى امتلاك الاقتصاد المحلي للمعرفة والتكنولوجيا والخبرة وسلاسل التوريد المرتبطة بهذه الصناعات.
سباق جديد على اقتصاد المستقبل
يتزامن هذا التحول مع ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنسبة 6 في المائة خلال 2025، ليصل إلى نحو 1.6 تريليون دولار، منها 901 مليار دولار توجهت إلى الاقتصادات النامية. غير أن «الأونكتاد» تعتبر هذا التعافي هشاً وغير متوازن، في ظل تركّز أكثر من 80 في المائة من التدفقات العالمية لدى أكبر 20 اقتصاداً مستقبلاً للاستثمار.
وبالتالي، فإن المنافسة المقبلة ستكون أكثر تعقيداً. فالدول لن تتنافس فقط على تخفيض كلفة الإنتاج أو تقديم الحوافز الضريبية، وإنما على امتلاك البيئة التي تسمح باستقبال الصناعات الجديدة: طاقة تنافسية، بنية تحتية متطورة، كفاءات بشرية، استقرار تشريعي، لوجستيك فعال، وقدرة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
وفي إفريقيا، يبدو المغرب في موقع يسمح له بالاستفادة من هذا التحول، خصوصاً في ظل إعادة الشركات العالمية النظر في خرائط إنتاجها وسلاسل إمدادها. لكن المحافظة على هذه الأفضلية ستتطلب أكثر من الاستمرار في جذب المشاريع.
المطلوب هو الانتقال من منطق جذب الاستثمار إلى منطق بناء منظومة استثمارية؛ أي تحويل المشاريع الأجنبية إلى مكونات مترابطة داخل قاعدة صناعية وتكنولوجية وطنية وإفريقية.
وهنا يكمن الرهان الحقيقي للمغرب. فالمنافسة لم تعد على استقطاب مصنع للسيارات أو مشروع للطاقة المتجددة فحسب، وإنما على تحديد الدول التي ستحتل مواقع مركزية في الاقتصاد العالمي الجديد.
إذا تمكنت المملكة من تحويل جاذبيتها الاستثمارية الحالية إلى قاعدة صناعية أعمق، وربط الاستثمارات الأجنبية بالمهارات والتكنولوجيا والمقاولات المحلية والأسواق الإفريقية، فإن طموحها قد يتجاوز مجرد احتلال موقع متقدم في خريطة الاستثمار بالقارة.
عندها، يمكن للمغرب أن يتحول من دولة تستقبل الاستثمارات إلى منصة إقليمية تعيد الشركات العالمية من خلالها رسم حضورها في إفريقيا، ومن موقع جغرافي واعد إلى عقدة أساسية في شبكات الإنتاج والتجارة التي ستحدد اقتصاد القارة خلال العقود المقبلة.