الصحراء المغربية بين واشنطن والأمم المتحدة.. حراك دبلوماسي يعيد ترتيب مسارات التسوية
مجدي فاطمة الزهراء
يشهد ملف الصحراء المغربية حراكًا دبلوماسيًا متجددًا، في ظل استمرار التنسيق بين الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة بشأن البحث عن تسوية سياسية للنزاع، في وقت تبدو فيه موازين المواقف الدولية أكثر انفتاحًا على مقاربات جديدة لإنهاء هذا الملف الممتد منذ عقود.
وفي أحدث التطورات، جدد مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، دعم واشنطن للجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي دائم للنزاع حول الصحراء، يكون مقبولًا لدى الأطراف المعنية. وجاء ذلك عقب لقاء جمع المسؤول الأمريكي بروزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، حيث تناولت المباحثات عددًا من الملفات الإقليمية، من بينها ليبيا والسودان، إضافة إلى قضية الصحراء المغربية.
ولا يمكن فصل هذا التحرك عن المسار الذي يقوده المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، الذي يواصل اتصالاته مع الأطراف المعنية بهدف تهيئة الظروف السياسية لاستئناف مسار تفاوضي أكثر جدية.
واشنطن والأمم المتحدة.. تقاطع في الرؤية السياسية
ويكتسب الموقف الأمريكي أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن السياسي والدبلوماسي لواشنطن داخل مجلس الأمن، وإلى الدور الذي تلعبه الإدارة الأمريكية في الدفع نحو تسويات سياسية للنزاعات الإقليمية.
ويرى الصحفي بوشعيب البازي أن استمرار التواصل بين المسؤولين الأمريكيين والأمم المتحدة بشأن الصحراء يعكس رغبة لدى الطرفين في الحفاظ على المسار الأممي باعتباره الإطار الدولي الأساسي لمعالجة النزاع، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن أي تسوية نهائية لن تكون ممكنة من دون توافق سياسي بين الأطراف المعنية.
ويقول البازي إن التحولات التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة جعلت النقاش الدولي ينتقل تدريجيًا من مجرد إدارة النزاع إلى البحث عن صيغة سياسية قابلة للتنفيذ، وهو ما يضع جميع الأطراف أمام اختبار القدرة على تقديم تنازلات واقعية بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج المواقف التقليدية.
دي ميستورا أمام اختبار جديد
وقبل الإحاطة المرتقبة أمام مجلس الأمن في أكتوبر، تتواصل المشاورات التي يجريها فريق دي ميستورا مع الأطراف المعنية. وكان كريستوفر ثورنتون، المستشار السياسي الأول للمبعوث الأممي، قد أوضح أن الهدف من هذه المشاورات يتمثل في خلق الأسس الضرورية للتوصل إلى حل سياسي مقبول.
وتأتي هذه التحركات في سياق دولي مختلف نسبيًا عن السنوات السابقة، خصوصًا بعد اعتماد مجلس الأمن في أكتوبر 2025 القرار 2797، الذي أعاد التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم ومقبول للطرفين، في إطار الأمم المتحدة.
وبحسب بوشعيب البازي، فإن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر حساسية من الناحية السياسية، لأن نجاح الوساطة الأممية لن يقاس هذه المرة بعدد الاجتماعات أو جولات المشاورات، وإنما بقدرتها على تقريب المواقف وخلق أرضية يمكن أن تتحول إلى اتفاق سياسي قابل للتطبيق.
المغرب أمام واقع دبلوماسي جديد
في المقابل، عزز المغرب خلال السنوات الأخيرة موقع مقترح الحكم الذاتي في النقاش الدولي، مستفيدًا من اتساع دائرة الدول التي باتت تنظر إلى المقترح باعتباره أساسًا يمكن البناء عليه للوصول إلى تسوية سياسية.
وتبقى الولايات المتحدة طرفًا محوريًا في هذا السياق، بعدما اعترفت إدارة الرئيس دونالد ترامب، في 2020، بسيادة المغرب على الصحراء. كما استمر هذا الملف في صدارة أجندة الاتصالات الأمريكية المتعلقة بشمال إفريقيا.
ويرى البازي أن التحدي الحقيقي أمام الدبلوماسية المغربية لا يتمثل فقط في الحفاظ على الدعم الدولي المتزايد، وإنما في تحويل هذا الدعم إلى مسار سياسي قادر على إنهاء النزاع ضمن إطار أممي يحظى بالشرعية الدولية.
أكتوبر.. محطة سياسية أكثر من كونها موعدًا دبلوماسيًا
ومع اقتراب موعد الإحاطة الأممية المقبلة، تتجه الأنظار إلى طبيعة الرسائل التي سيحملها تقرير دي ميستورا، وما إذا كانت المشاورات الحالية قد أنتجت أرضية تسمح بالانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا.
وفي تقدير الصحفي بوشعيب البازي، فإن أهمية المرحلة الحالية تكمن في تزامن ثلاثة عناصر: استمرار الانخراط الأمريكي، تحرك الأمم المتحدة عبر مبعوثها الشخصي، وتزايد الاهتمام الدولي بإيجاد تسوية نهائية للنزاع.
وبذلك، قد لا يكون السؤال المطروح خلال المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت المفاوضات ستستأنف فحسب، بل ما إذا كان المجتمع الدولي قادرًا على الدفع بالأطراف نحو تسوية تتجاوز منطق إدارة النزاع إلى منطق إنهائه.
فالملف، بعد عقود من الجمود، يدخل مرحلة تتطلب قدرًا أكبر من الواقعية السياسية، لأن استمرار الوضع القائم لم يعد يخدم الاستقرار الإقليمي ولا المصالح الاستراتيجية للدول المنخرطة في أمن منطقة المغرب العربي وشمال إفريقيا.