الصحافة المغربية تنتخب مجلسها من جديد بعد أربع سنوات من الفراغ

بوشعيب البازي

عودة إلى مسار التنظيم الذاتي للمهنة

بروكسل – بعد سنوات من المرحلة الانتقالية التي أعقبت انتهاء الولاية السابقة للمجلس الوطني للصحافة، تتجه الصحافة المغربية نحو إعادة بناء مؤسستها المهنية، عقب الإعلان عن النتائج النهائية لانتخاب ممثلي الصحافيين المهنيين، إلى جانب الكشف عن قائمة ممثلي ناشري الصحف.

وأعلنت اللجنة المؤقتة المكلفة بتسيير شؤون المجلس الوطني للصحافة، الأربعاء 16 سبتمبر 2026، النتائج النهائية للاقتراع الذي جرى يوم الثلاثاء 15 سبتمبر، في خطوة تعيد تشكيل الجزء المهني من تركيبة المجلس وتفتح الباب أمام استئناف عمل مؤسسة التنظيم الذاتي للصحافة.

حنان رحاب تتصدر نتائج الصحافيين

أسفرت الانتخابات الخاصة بممثلي الصحافيين المهنيين عن انتخاب سبعة أعضاء. وتصدرت حنان رحاب النتائج بحصولها على 703 أصوات، متقدمة على عبد الله البقالي الذي حصل على 481 صوتاً، ثم عبد الحق العضيمي بـ455 صوتاً، والكبير خشيشن بـ437 صوتاً.

كما أفرز الاقتراع انتخاب مونيا عرشي بـ281 صوتاً، ونادية حسيسو بـ257 صوتاً، وعزيزة غلام بـ253 صوتاً.

وتعكس هذه النتائج تعدد الحساسيات المهنية داخل الجسم الصحافي، في وقت تواجه فيه المهنة تحولات عميقة مرتبطة بالرقمنة، وتغير أنماط استهلاك الأخبار، وتراجع بعض مصادر التمويل التقليدية، فضلاً عن اتساع نطاق المسؤولية المهنية والأخلاقية في البيئة الرقمية.

1.681 صحافياً شاركوا في الاقتراع

وبحسب المعطيات التي أعلنتها اللجنة المؤقتة، بلغ عدد الصحافيين المهنيين المسجلين في اللوائح الانتخابية 3.421 صحافياً، شارك منهم 1.681 في عملية التصويت، أي بنسبة مشاركة بلغت 49,14 في المائة.

وبعد عملية الفرز، بلغ عدد الأصوات الصحيحة 1.529 صوتاً، مقابل 152 ورقة ملغاة.

وتشكل نسبة المشاركة أحد المؤشرات الأساسية في قراءة هذا الاستحقاق المهني، بالنظر إلى أنها تعكس حجم انخراط الصحافيين في اختيار ممثليهم داخل المؤسسة المكلفة بالتنظيم الذاتي للمهنة.

سبعة ممثلين عن ناشري الصحف

وبالتوازي مع انتخاب ممثلي الصحافيين، تم الكشف عن لائحة ممثلي ناشري الصحف، والتي تضم سبعة أعضاء هم: بهية العمراني، سعاد المكاوي، مهدي علابوش، عزيز الداكي، إدريس شحتان، المختار الغزيوي وخالد الحريري.

وبذلك أصبحت المكونات المهنية الأساسية للمجلس محددة في أربعة عشر عضواً من أصل سبعة عشر، في انتظار استكمال باقي التركيبة وفق المقتضيات القانونية المنظمة للمؤسسة.

نهاية مرحلة انتقالية طويلة

ويأتي هذا المسار بعد فترة طويلة اتسمت باعتماد صيغة مؤقتة لتدبير مهام المجلس، وهو ما جعل استعادة المؤسسة لهيكلها المنتخب موضوعاً يحظى باهتمام واسع داخل الوسط الصحافي.

وتكتسب عودة المجلس إلى صيغة منتخبة أهمية خاصة، بالنظر إلى الدور المنوط به في مجال التنظيم الذاتي للمهنة، وضبط احترام قواعد أخلاقيات الصحافة، والنظر في عدد من القضايا المرتبطة بالممارسة المهنية.

غير أن التحديات التي تنتظر المجلس الجديد لا تقتصر على الجوانب التنظيمية، إذ يجد نفسه أمام مشهد إعلامي تغير بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

صحافة في مواجهة التحول الرقمي

فالصحافة المغربية تواجه اليوم أسئلة مرتبطة بمستقبل الصحافة الورقية، وانتشار المنصات الرقمية، وتنامي دور شبكات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى صعوبة التحقق من المعلومات في بيئة إعلامية سريعة ومتعددة المصادر.

كما تبرز قضايا أخرى تتعلق بالاستقلالية المهنية، وظروف اشتغال الصحافيين، والاستقرار الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية، وحماية حقوق الصحافيين، إلى جانب المسؤولية القانونية والأخلاقية المترتبة عن نشر المحتويات الرقمية.

ومن المنتظر أن تشكل هذه الملفات جزءاً أساسياً من أجندة المجلس الجديد، خصوصاً أن التنظيم الذاتي لم يعد يقتصر على وضع قواعد مهنية تقليدية، بل أصبح مطالباً بمواكبة التحولات التي فرضتها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتغير العلاقة بين الصحافي والمتلقي.

استعادة الثقة في التنظيم الذاتي

ولا يرتبط نجاح المجلس الجديد فقط باكتمال تركيبته، وإنما بقدرته على بناء علاقة أكثر انتظاماً وثقة مع مختلف مكونات الجسم الصحافي.

فالصحافيون والناشرون ينتظرون من المؤسسة الجديدة أن تضطلع بدورها في حماية أخلاقيات المهنة، والدفاع عن الممارسة الصحافية المهنية، والمساهمة في معالجة الاختلالات التي قد تؤثر في صورة الإعلام ومصداقيته.

وفي المقابل، سيكون على المجلس الحفاظ على مسافة مؤسساتية تتيح له ممارسة اختصاصاته في إطار القانون، مع احترام حرية الصحافة وحقوق الصحافيين والمسؤولية المهنية.

محطة جديدة للصحافة المغربية

ويشكل انتخاب ممثلي الصحافيين وتحديد ممثلي الناشرين بداية مرحلة جديدة في مسار المجلس الوطني للصحافة، بعد سنوات من التدبير الانتقالي.

وبينما تنتظر استكمال تركيبته، سيكون التحدي الأساسي أمام المجلس هو تحويل هذه العودة المؤسساتية إلى ممارسة مهنية مستقرة، قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها قطاع الإعلام، وتعزيز التنظيم الذاتي بما يضمن التوازن بين حرية الصحافة، وأخلاقيات المهنة، والمسؤولية المهنية، وحق المجتمع في الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة.

فالاستحقاق الانتخابي لا ينهي فقط مرحلة من الفراغ المؤسساتي، بل يضع المجلس الجديد أمام اختبار أوسع يتعلق بقدرته على إعادة ترسيخ مكانة التنظيم الذاتي داخل المشهد الإعلامي المغربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com