حين يتحول حراك الريف إلى ورقة في صراع الأجهزة

يوسف لفرج

Screenshot

من الدفاع عن مطالب اجتماعية إلى الارتهان لأجندات خارجية.. أين ينتهي الاحتجاج وتبدأ جريمة المساس بأمن الدولة؟

لم يكن حراك الريف، في بداياته، مجرد عنوان سياسي عابر، بل ارتبط بمطالب اجتماعية واقتصادية وحقوقية رفعتها فئات من سكان المنطقة، قبل أن يدخل، مع مرور الوقت، إلى فضاءات سياسية وإعلامية أكثر تعقيداً، بعضها اتخذ طابعاً انفصالياً صريحاً، وبعضها الآخر وجد نفسه في قلب صراعات إقليمية تتجاوز بكثير حدود المطالب المحلية.

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: متى يتوقف استثمار قضية الريف باعتبارها ملفاً حقوقياً وسياسياً، ويبدأ توظيفها كأداة في صراع جيوسياسي بين المغرب وخصومه الإقليميين؟

أحمد سلطانة.. من خطاب الريف إلى أسئلة الارتهان الخارجي

في هذا السياق يطرح اسم أحمد سلطانة باعتباره أحد الوجوه التي ارتبطت بنشاطات سياسية وإعلامية مؤيدة للطرح الانفصالي الريفي في أوروبا.

وتتداول أوساط سياسية وإعلامية اتهامات بشأن صلاته بالجزائر، وبشأن قيامه، وفق هذه الروايات، بدور في استقطاب بعض المنتمين إلى حراك الريف أو المقربين منه للقيام بزيارات إلى الجزائر والمشاركة في إنتاج محتويات إعلامية موجهة ضد المغرب.

Screenshot

لكن ذلك لا يمنع من طرح السؤال السياسي والأخلاقي: إذا ثبت أن ناشطاً مغربياً أقام علاقات منظمة مع جهاز استخبارات تابع لدولة أجنبية، بهدف خدمة أجندة موجهة ضد بلده، فهل يبقى الأمر مجرد نشاط سياسي؟

الجواب لا يُحسم بالشعارات، وإنما بالقانون والأدلة.

القانون المغربي لا يتحدث بلغة الشعارات

مجموعة القانون الجنائي المغربي خصصت فرعاً كاملاً للجرائم والجنح ضد أمن الدولة الخارجي، ضمن الفصول 181 إلى 200. ويعرّف الفصل 181 جريمة الخيانة في حالات محددة، من بينها حمل السلاح ضد المغرب، أو مباشرة اتصالات مع سلطة أجنبية بقصد حملها على القيام بعدوان ضد المغرب أو تزويدها بالوسائل اللازمة لذلك، فضلاً عن تسليم أسرار الدفاع الوطني إلى سلطة أجنبية أو عملائها بقصد نقلها إليها.

كما يتناول الفصل 182، في زمن الحرب، أفعالاً من بينها إقامة علاقات مع سلطة أجنبية أو عملائها بقصد تسهيل أعمال موجهة ضد المغرب، فيما يعاقب الفصل 185 الأجنبي الذي يرتكب أفعالاً معينة من تلك المنصوص عليها في الفصلين 181 و182 باعتبارها من أعمال التجسس.

وبالتالي، فإن مجرد انتقاد الدولة أو رفع شعارات سياسية، مهما كانت حدتها، لا يكفي وحده لإثبات جريمة الخيانة. فالصفة الجنائية تتطلب تحقق العناصر القانونية للجريمة وإثباتها أمام القضاء المختص.

وهنا تكمن المفارقة: بعض الخطابات التي تتعامل مع مفهوم «الخيانة» وكأنه حكم سياسي جاهز تتجاهل أن الخيانة، في معناها الجنائي، ليست شتيمة ولا توصيفاً إعلامياً، وإنما جريمة لها عناصر قانونية دقيقة.

من الريف إلى الجزائر.. عندما يصبح الألم المحلي مادة في صراع إقليمي

المشكلة الحقيقية لا تكمن في حق أي مواطن في التعبير عن رأيه السياسي، بل في احتمال تحول قضية اجتماعية وتاريخية إلى منصة لخدمة أجندة دولة أجنبية.

فالجزائر لم تخفِ اهتمامها السياسي والإعلامي بالخطاب الريفي الانفصالي. وفي أعقاب مسيرة بروكسل، نشرت وسائل إعلام رسمية جزائرية تغطية واسعة للفعالية، كما نقل التلفزيون الجزائري خطاباً يدعم طرح «القضية الريفية» ويعرض مطالب الاستقلال وتقرير المصير من زاوية سياسية مؤيدة لها. وهذه حقيقة سياسية موثقة لا تحتاج إلى نظرية مؤامرة.

بروكسل.. عودة الخطاب الانفصالي إلى الواجهة

واللافت أن هذه الفعالية لم تبقَ في حدود الفضاء الأوروبي، بل حظيت بتغطية واسعة في الإعلام الجزائري الرسمي وشبه الرسمي، بما في ذلك التلفزيون الجزائري، الذي قدم الحدث باعتباره مناسبة لإيصال «صوت الشعب الريفي» إلى الرأي العام الدولي.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام حركة سياسية ريفية مستقلة بالكامل، أم أمام قضية يتم استثمارها ضمن التجاذب المغربي–الجزائري؟

إنه سؤال مفتوح، ولا يجوز للصحافة الجادة أن تجيب عنه مسبقاً من دون أدلة.

بين حرية التعبير وخط أحمر اسمه أمن الدولة

الديمقراطية لا تعني تجريم الاختلاف، كما أن الوطنية لا تعني إسكات المعارضة.

لكن في المقابل، لا يمكن أن تتحول حرية التعبير إلى غطاء مفترض للتخابر مع دولة أجنبية، إذا أثبت القضاء وجود مثل هذا التخابر وأثبت ارتباطه بأفعال تدخل ضمن الجرائم التي حددها القانون.

وهنا تحديداً ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: مواطن مغربي ينتقد الدولة أو الحكومة أو المؤسسات، وهذا يدخل في المجال السياسي وحرية التعبير وفق الحدود التي يحددها القانون.

المستوى الثاني: ناشط يتبنى مشروعاً انفصالياً أو يطالب بتغيير شكل الدولة، وهو خطاب سياسي يمكن مناقشته وتقييمه قانونياً بحسب الأفعال المصاحبة له.

المستوى الثالث: شخص يتلقى توجيهات أو تمويلاً أو دعماً من جهاز تابع لدولة أجنبية بهدف تنفيذ أعمال تستهدف أمن المغرب أو الدفاع الوطني، إذا ثبت ذلك بالأدلة؛ وهنا يصبح النقاش مختلفاً جذرياً، لأن الأمر قد ينتقل من النشاط السياسي إلى نطاق الجرائم ضد أمن الدولة.

الريف ليس ملكاً لجهاز استخبارات

أخطر ما يمكن أن يحدث لقضية الريف هو اختزالها في معادلة أمنية أو استخدامها كورقة في صراع المخابرات.

فالريف جزء من التاريخ المغربي، وسكانه مواطنون مغاربة لهم حقوقهم وذاكرتهم ومطالبهم ومشاكلهم، ولا يملك أي تنظيم سياسي أو شخص أن يحتكر تمثيلهم جميعاً.

كما أن حراك الريف نفسه لا يمكن اختزاله في الأشخاص الذين يحاولون اليوم تقديم أنفسهم باعتبارهم الناطقين الوحيدين باسمه.

والأخطر من ذلك أن تتحول معاناة المواطنين ومطالبهم الاجتماعية إلى رأس مال سياسي يستثمره أفراد يعيشون في أوروبا، بينما يتحول اسم الريف إلى بطاقة عبور نحو التمويل أو الشهرة أو خدمة أجندات دولية وإقليمية.

 الريف قضية مغربية.. لا ورقة استخباراتية

المسألة في النهاية أكبر من شخص أو مسيرة أو شعار.

إنها تتعلق بحدود التعدد السياسي، وبالحق في المعارضة، وباحترام القانون، وبالخط الفاصل بين النشاط السياسي المشروع وبين الاستقواء بقوة أجنبية.

أما تحويل الريف إلى منصة لتمجيد دولة أجنبية أو لتصفية الحسابات الجيوسياسية مع المغرب، فهو نقاش سياسي مشروع يمكن تفكيكه ونقده بالأدلة.

وفي هذه الحالة، لا تكون قوة الملف في الشتائم ولا في الشعارات، بل في الدليل، والقانون، والقضاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com