لم يكن حراك الريف، في بداياته، مشروعاً للمتاجرة السياسية ولا منصة لتصفية الحسابات الإقليمية. كان تعبيراً عن مطالب اجتماعية وتنموية رفعها أبناء المنطقة، من مستشفيات وجامعات وفرص عمل وكرامة اجتماعية، قبل أن يدخل على خطه عدد من الفاعلين الذين حاولوا تحويل معاناة الريف إلى خطاب سياسي يتجاوز الحدود والمطالب الأصلية للحراك.
ومن هنا يطرح حضور بعض الأصوات في أوروبا، ومن بينها أحمد سلطانة، سؤالاً مشروعاً حول الحدود الفاصلة بين الدفاع عن قضايا الريف وبين توظيف اسم الريف في أجندات سياسية أخرى.
من الدفاع عن الريف إلى خطاب يتجاوز الريف؟
الانتقاد الأساسي الذي يطرح نفسه لا يتعلق بحق أي شخص في التعبير عن موقفه السياسي؛ فهذا حق مكفول في المجتمعات الديمقراطية. وإنما يتعلق بالسؤال التالي: هل ما يقدمه أحمد سلطانة اليوم ما زال مرتبطاً فعلاً بمصالح سكان الريف، أم أن اسم الريف أصبح مجرد عنوان لتسويق مواقف مرتبطة بالصراع المغربي ـ الجزائري وقضية الصحراء؟
عندما ينتقل الخطاب من المطالبة بالمستشفيات والجامعات والتنمية والحقوق الاجتماعية إلى الدفاع عن البوليساريو أو تبني الرواية الجزائرية في قضية الصحراء، يصبح من المشروع مساءلة هذا التحول سياسياً وإعلامياً، من دون الخلط بين النقد السياسي وبين إصدار أحكام قطعية على الأشخاص.
فأبناء الريف الذين خرجوا للاحتجاج لم يفوضوا، بالضرورة، أي شخص للحديث باسمهم في كل القضايا الإقليمية، كما أن استعمال أسماء المعتقلين أو عائلاتهم لتبرير مواقف سياسية جديدة يحتاج إلى نقاش أخلاقي وصحفي جاد.
الريف ليس ملكية سياسية لأحد
الريف أكبر من أي ناشط، وأكبر من أي حزب، وأكبر من أي خطاب سياسي عابر للحدود.
والأهم أن أبناء الريف المقيمين في إسبانيا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وسائر أوروبا ليسوا كتلة سياسية واحدة، ولا يجوز اختزال مواقفهم في صوت شخص أو مجموعة أشخاص. فمن حق الريفي أن يدافع عن حقوق الإنسان، ومن حقه أن ينتقد الدولة، ومن حقه كذلك أن يرفض تحويل قضيته الاجتماعية إلى ورقة في صراع جيوسياسي.
ولهذا فإن النقاش الحقيقي ينبغي أن يكون حول من يتحدث باسم الريف، وبأي تفويض، وبأي خطاب، ولأي أهداف؟
عندما يصبح اسم المعتقلين مادة سياسية
يبقى ملف المعتقلين المرتبطين بحراك الريف من أكثر الملفات حساسية. وأي محاولة لاستعمال معاناتهم في سجالات سياسية خارج مطالبهم الأصلية تفرض على الإعلام والناشطين قدراً أكبر من المسؤولية.
فالمعتقلون وعائلاتهم ليسوا ملكاً لأي جهة سياسية، ولا يجوز تحويل آلامهم إلى أدوات دعائية. الدفاع عن حقوقهم ينبغي أن يبقى مرتبطاً بالحقوق والحريات وسيادة القانون، لا أن يتحول تلقائياً إلى اصطفاف مع طرف إقليمي في نزاع آخر.
المطلوب: مساءلة سياسية لا حملات تخوين
إذا كان أحمد سلطانة يؤكد أنه يتحدث باسم الريف، فمن حق الرأي العام أن يسأله عن مواقفه الحالية، وعن مصادر تمويل أنشطته، وعن علاقاته السياسية والإعلامية، وعن أسباب انتقال خطابه من القضايا الاجتماعية للريف إلى ملفات إقليمية، ومن بينها قضية الصحراء والبوليساريو والجزائر.
المطلوب ليس إسكات الأصوات، وإنما إخضاعها للمساءلة.
فالريف لا يحتاج إلى متحدثين يختزلون أبناءه في أجنداتهم الخاصة، ولا إلى من يستعمل اسم المعتقلين والمتظاهرين لتصفية الحسابات مع المغرب أو الجزائر أو أي طرف آخر.
الريف يحتاج إلى خطاب واضح: تنمية، مستشفيات، جامعات، عدالة اجتماعية، حقوق وحريات، وكرامة لأبنائه.
وما عدا ذلك، فمن حق أبناء الريف أنفسهم أن يسألوا: هل ما يُقال باسمهم اليوم يخدم قضيتهم فعلاً، أم أن قضيتهم أصبحت مجرد عنوان في معركة سياسية أكبر منهم؟