عيد الوحدة في بروكسل… حين تتحول الدبلوماسية الثقافية إلى «حفلة محفوظة»؟
بوشعيب البازي
مع اقتراب الاحتفال بما يقدم باعتباره مناسبة وطنية جديدة، أي عيد الوحدة، كان يفترض أن تتحول السفارات والقنصليات المغربية عبر العالم إلى فضاءات للتعريف بتاريخ المملكة، وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بوطنها، وفتح المجال أمام جمعيات المجتمع المدني والكفاءات الشابة لتقديم مبادرات ثقافية وفكرية تعكس صورة مغرب متنوع ومتجدد.
لكن في بروكسل، يبدو أن المقاربة اختارت، مرة أخرى، طريقاً أكثر تقليدية: دعوة، منصة، موسيقى، حضرة… ثم العودة إلى المنزل.
فالبرنامج المتداول للمناسبة يتضمن، ابتداءً من الساعة السادسة والنصف مساءً، استقبال المدعوين، ثم كلمة للسفير محمد عامر، قبل تقديم فقرات فنية بمشاركة زينب أفيلال و حنان مديان لمجموعة الحضرة الشفشاونية و غيرهم من الجرة و الطبل.
ولا أحد يعترض، بطبيعة الحال، على الفن المغربي أو على الحضرة الشفشاونية أو الموسيقى الأندلسية. فهذه مكونات أصيلة من الذاكرة الثقافية للمملكة. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو أبسط من ذلك: هل يكفي أن نضع موسيقى مغربية على منصة لكي نقول إننا قدمنا برنامجاً ثقافياً بمناسبة وطنية ذات حمولة رمزية؟
من الدبلوماسية الثقافية إلى «نسخ ولصق»
المشكلة ليست في الفنانين، ولا في الأغنية، ولا في الحضرة. المشكلة في فلسفة تنظيم المناسبات الوطنية.
فالجالية المغربية في بلجيكا ليست مجرد جمهور ينتظر دعوة إلى حفل. هي مجتمع يضم طلبة، وأطباء، ومهندسين، ورجال أعمال، وأساتذة، وصحافيين، وفنانين، وفاعلين جمعويين، وشباباً ولدوا في بلجيكا ويبحثون عن علاقة حديثة ومتوازنة مع بلدهم الأصلي.
هؤلاء لا يحتاجون فقط إلى «الشطيح والرديح». يحتاجون إلى نقاش، وفكر، وذاكرة، وتاريخ، وورشات للشباب، ولقاءات مع الباحثين، ومعارض، وأفلام وثائقية، ومناظرات حول القضايا الوطنية، ومساحات للتعريف بالتحولات التي يعرفها المغرب.
بل إن المناسبة كان يمكن أن تكون فرصة لإشراك جمعيات المجتمع المدني المغربي في بلجيكا، كل واحدة حسب اختصاصها، في إعداد برنامج متعدد الأبعاد. وهذا تحديداً هو جوهر الدبلوماسية الثقافية الحديثة: أن تكون السفارة منصة تجمع المجتمع، لا مجرد جهة توجه الدعوات.
عشر سنوات… والكرسي يبدو كأنه ولاية مفتوحة
محمد عامر يتولى منصب سفير المغرب في بلجيكا منذ أكتوبر 2016، وتؤكد لائحة وزارة الخارجية البلجيكية المنشورة سنة 2025 وجوده في هذا المنصب منذ 8 نوفمبر 2016. وبصرف النظر عن طول مدة المهمة الدبلوماسية، فإن السؤال المشروع ليس: كم سنة بقي السفير؟ بل: ماذا تغير في طريقة إدارة العلاقة مع الجالية خلال هذه السنوات؟
لأن السفارة ليست ملكية خاصة، والسفير ليس رئيساً منتخباً لولاية ثالثة، والمناسبات الوطنية ليست ملكاً حصرياً لجهاز دبلوماسي أو لدائرة محدودة من المدعوين.
ومن حق الجالية أن تسأل عن تجديد الوجوه، وتوسيع دائرة المشاركة، وإعطاء مساحة أكبر للمجتمع المدني والشباب والكفاءات الجديدة.
أين توجد الجمعيات المغربية؟ أين الجمعيات الشبابية؟ أين الطلبة؟ أين الكفاءات الثقافية الجديدة؟ وأين المبادرات التي لا تمر بالضرورة عبر نفس الدائرة البروتوكولية؟
عندما يصبح أرشيف الصور برنامجاً سنوياً
المشهد الأكثر إثارة للسخرية هو ذلك الذي يعرفه كثير من المتابعين: نفس الوجوه، نفس الدعوات، نفس المناسبات، وربما نفس زاوية التصوير.
حتى يصبح بالإمكان، من شدة التشابه، أن نأخذ صورة من احتفال سنة 2022، نغير التاريخ فقط، ثم نسأل أنفسنا: هل نحن في 2022 أم 2026؟
طبعاً، هذا توصيف ساخر وليس اتهاماً بوجود تلاعب في الصور أو الدعوات. لكنه يعكس سؤالاً أعمق: هل تعكس قوائم المدعوين فعلاً تنوع الجالية المغربية في بلجيكا؟
فالجالية تغيرت، والشباب تغيروا، والجامعات تغيرت، والمشهد الجمعوي تغير، وحتى صورة المغرب في أوروبا تغيرت.
أما أن تظل قوائم المناسبات ثابتة وكأن الزمن توقف عند باب السفارة، فهنا يصبح التجديد ضرورة وليس ترفاً.
عيد الوحدة يحتاج إلى «وحدة» حقيقية
المفارقة أن مناسبة تحمل اسم الوحدة يفترض أن تكون فرصة لتوسيع دائرة المشاركة لا لتقليصها.
الوحدة لا تُبنى فقط فوق منصة موسيقية، ولا تُقاس بعدد الكراسي الممتلئة في قاعة، ولا بعدد الصور الرسمية التي تُلتقط في نهاية الحفل.
الوحدة تُبنى عندما يشعر الطالب المغربي في بروكسل، والجمعية الصغيرة في لييج، والفاعل الجمعوي في أنتويرب، والمهندس في غنت، والشاب الذي ولد في بلجيكا، والصحافي والفنان والباحث ورجل الأعمال بأن السفارة فضاء مفتوح أمامه.
أما أن تكون الرسالة الموجهة إلى الأجيال الجديدة هي: «تعالوا استمعوا إلى الحضرة ثم عودوا إلى منازلكم»، فذلك قد يكون حفلاً جميلاً، لكنه ليس بالضرورة سياسة ثقافية تجاه الجالية.
المطلوب ليس إلغاء الحضرة… بل إلغاء العقلية القديمة
لنكن واضحين: الحضرة ليست المشكلة. زينب أفيلال أو حنان مدين أو Medina Swing ليسوا المشكلة. بل إن حضور الفن المغربي في المناسبات الوطنية أمر طبيعي ومحمود.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الفن بديلاً عن البرنامج الثقافي، والحفل بديلاً عن التواصل، والبروتوكول بديلاً عن المشاركة المجتمعية.
كان يمكن مثلاً أن يبدأ الاحتفال بفيلم وثائقي حول تاريخ الوحدة الترابية للمملكة، يليه نقاش أكاديمي حول تطور القضية الوطنية، ثم معرض حول تاريخ المغرب، وورشة للشباب حول الدبلوماسية الرقمية، ولقاء مع باحثين وأكاديميين، ثم مساحة للمجتمع المدني، وبعد ذلك تُختتم الأمسية بسهرة فنية.
هنا يصبح الفن جزءاً من الدبلوماسية الثقافية، وليس الدبلوماسية الثقافية كلها.
أما أن نختزل مناسبة وطنية في «الحضرة والشطيح والرديح»، فذلك يشبه أن نحتفل بتاريخ المغرب العريق… ثم ننسى أن نخبر الجيل الجديد لماذا يجب أن يعرفه.
وبالمناسبة، إذا كانت السفارة تبحث عن توفير الجهد في إعداد الدعوات، فربما يمكنها الاحتفاظ بقائمة المدعوين نفسها من العام الماضي؛ فقط عليها تغيير التاريخ في أعلى الصفحة. أما الصور، فلا داعي حتى لتغييرها… فربما لن يلاحظ أحد الفرق!
والفرق، في الحقيقة، ليس في الصور.
الفرق في سؤال أكبر: هل نريد دبلوماسية ثقافية تصنع جسوراً جديدة مع مغاربة بلجيكا، أم مجرد مناسبات تتكرر لأن أحداً لم يكلف نفسه عناء تغيير البرنامج؟