الانتخابات التشريعية بالمغرب: انتظام مؤسساتي ومسؤولية سياسية في مرحلة جديدة

بوشعيب البازي

أعادت الانتخابات التشريعية التي جرت في المغرب يوم 23 شتنبر 2026 النقاش حول مسار الحياة السياسية والمؤسساتية في المملكة، في سياق انتخابي اتسم، وفق المعطيات الرسمية، بسير عملية الاقتراع في ظروف عادية، مع تسجيل بعض الحالات المعزولة التي لم تؤثر في مجريات التصويت. وقد بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.02%، فيما أكدت النتائج النهائية التي أعلنتها وزارة الداخلية لاحقاً التوزيع البرلماني الذي أُعلن في النتائج الأولية. 

ولا تختزل أهمية هذه الانتخابات في أسماء الأحزاب التي تصدرت النتائج أو في إعادة تشكيل موازين القوى داخل مجلس النواب، وإنما تكمن أيضاً في كونها محطة جديدة لاختبار قدرة المؤسسات والأحزاب على ممارسة السياسة داخل الإطار الدستوري القائم منذ سنة 2011. فالدستور المغربي ينص على أن المملكة ملكية دستورية وديمقراطية وبرلمانية واجتماعية، ويجعل الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة أساساً لشرعية التمثيل الديمقراطي، كما يحدد للبرلمان أدواراً تشمل التشريع ومراقبة عمل الحكومة وتقييم السياسات العمومية. 

الصحراء ومؤشر المشاركة الانتخابية

ومن بين المعطيات اللافتة في انتخابات 2026 ارتفاع نسب المشاركة في الأقاليم الجنوبية مقارنة بالمعدل الوطني. فقد بلغت المشاركة 77% في جهة العيون الساقية الحمراء، و61% في جهة الداخلة وادي الذهب، و53.48% في جهة كلميم واد نون، وفق أرقام وزارة الداخلية. وقد قدمت السلطات المغربية هذه المشاركة باعتبارها مؤشراً على ارتباط سكان هذه المناطق بالمؤسسات الوطنية وانخراطهم في العملية السياسية. 

غير أن القراءة الصحفية الدقيقة تقتضي عدم اختزال دوافع المشاركة الانتخابية في عامل سياسي واحد. فالمشاركة تتأثر أيضاً بالمنافسة المحلية، وطبيعة المرشحين، وشبكات التعبئة الاجتماعية، والقضايا التنموية، ومدى شعور الناخبين بأن أصواتهم قادرة على التأثير في تمثيلهم السياسي. وتؤكد تحليلات مستقلة أن هذه العوامل تتداخل في تفسير ارتفاع المشاركة في الأقاليم الجنوبية. 

ومع ذلك، فإن الحضور الانتخابي المرتفع في هذه المناطق يظل معطى سياسياً ومؤسساتياً لا يمكن تجاهله، خصوصاً في ظل ارتباط قضية الصحراء بالنقاش حول التمثيلية السياسية والتنمية المحلية ومستقبل المنطقة.

من الشارع إلى المؤسسات

في المغرب، كما ينص الإطار الدستوري، يفترض أن يتم التداول السياسي من خلال المؤسسات وآليات التمثيل والانتخابات، وليس عبر إسقاط الحكومات في الشارع. وهذا لا يعني غياب الاحتجاج أو النقد أو المطالب الاجتماعية، وإنما يعني أن تغيير موازين السلطة التنفيذية يمر، في النظام الدستوري القائم، عبر المؤسسات والآليات الانتخابية والسياسية.

وهنا تكمن إحدى النتائج الأساسية للاستحقاق الجديد: الانتخابات لا تنهي النقاش السياسي، بل تنقله إلى مرحلة أكثر صعوبة، هي مرحلة ممارسة السلطة وتحمل المسؤولية.

فالأحزاب التي دخلت المنافسة الانتخابية قدمت برامج ووعوداً للناخبين، والاختبار الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج. فالبرلمان ليس مجرد فضاء لتوزيع المقاعد، والحكومة ليست مجرد ائتلاف انتخابي؛ بل إن المرحلة المقبلة ستضع المنتخبين أمام أسئلة عملية تتعلق بقدرتهم على تحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والقياس.

نتائج واضحة وإعادة تشكيل للمشهد الحزبي

أفرزت انتخابات 23 شتنبر إعادة ترتيب واضحة للخريطة البرلمانية. فقد حل حزب الأصالة والمعاصرة في المرتبة الأولى بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، بينما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً. وتوزعت المقاعد المتبقية بين عدد من الأحزاب السياسية الأخرى، بما مجموعه 395 مقعداً في مجلس النواب. 

وتضع هذه النتائج الطبقة السياسية أمام مرحلة جديدة من التفاوض حول تشكيل الأغلبية الحكومية وتحديد أولويات المرحلة المقبلة. كما أنها تمنح الأحزاب الفائزة مسؤولية سياسية مباشرة تجاه الناخبين الذين صوتوا لصالح برامجها، في مقابل استمرار مسؤولية المعارضة في ممارسة الرقابة واقتراح البدائل.

وبذلك تصبح قيمة الانتخابات مرتبطة بما سيحدث بعدها أكثر مما حدث يوم الاقتراع نفسه.

الملكية والاستقرار والمؤسسات

لا يمكن قراءة المسار السياسي المغربي بمعزل عن موقع المؤسسة الملكية في النظام الدستوري والسياسي للمملكة. فقد شكل دستور 2011 محطة أساسية في إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات وتحديد اختصاصاتها، مع الإبقاء على الملكية الدستورية باعتبارها إحدى ركائز النظام السياسي المغربي. 

وخلال السنوات الأخيرة، واجه المغرب تحديات اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية متراكمة، من بينها البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة والضغط على الخدمات العمومية، إلى جانب التحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن الرهان المقبل لا يتعلق فقط بإدارة النتائج الانتخابية، وإنما بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على التعامل مع هذه الملفات بسياسات ملموسة.

وتبرز هنا قضايا التشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والأسعار باعتبارها ملفات تتجاوز الخطاب الانتخابي إلى الاختبار اليومي لفعالية الدولة. فالناخب لا يقيس أداء المؤسسات بالأرقام الانتخابية وحدها، وإنما بما يلمسه في سوق العمل، وفي المدرسة والمستشفى، وفي قدرته على مواجهة تكاليف الحياة.

الانتخابات بداية الاختبار لا نهايته

تكمن أهمية الاستحقاق التشريعي الأخير، في نهاية المطاف، في أنه أعاد وضع الأحزاب أمام مسؤوليتها الطبيعية داخل النظام السياسي: الفوز بالمقاعد ليس الهدف النهائي، وإنما بداية لمسار من المحاسبة السياسية.

وإذا كانت الانتخابات قد وفرت آلية مؤسساتية لتجديد التمثيلية البرلمانية، فإن المرحلة المقبلة ستكشف قدرة القوى السياسية على الانتقال من منطق الحملات والشعارات إلى منطق السياسات العمومية والنتائج.

وهنا تحديداً سيكون التحدي الحقيقي: هل تستطيع الأحزاب تحويل الثقة الانتخابية إلى أداء مؤسساتي ينعكس على حياة المواطنين؟

ذلك أن استقرار المؤسسات لا يكتمل بمجرد إجراء الانتخابات في موعدها، وإنما يترسخ عندما يشعر المواطن بأن صوته يتحول إلى سياسات، وأن الوعود الانتخابية تخضع للمساءلة، وأن صناديق الاقتراع تفتح دورة سياسية جديدة من المسؤولية والمحاسبة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com