سبتة.. فيديوهات توثق اعتداءات منسوبة إلى عسكريين إسبان على مهاجرين وتفتح ملف استخدام القوة
مجدي فاطمة الزهراء
أعادت مقاطع فيديو حديثة، تداولتها وسائل إعلام إسبانية، ملف معاملة المهاجرين في مدينة سبتة إلى واجهة النقاش الحقوقي والسياسي، بعدما وثقت مشاهد تظهر عناصر عسكرية إسبانية بالزي الرسمي وهم يلاحقون مهاجرين ويستخدمون العصي في التعامل معهم، في وقائع أثارت ردود فعل رسمية ومطالب بفتح تحقيق لتحديد المسؤوليات.
وتقول منظمة Border Resistance، التي تنشط في مجال الدفاع عن حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء، إن لديها توثيقاً لعدد من حالات العنف التي تعرض لها مهاجرون في سبتة خلال الأسابيع الماضية. وقد نشرت المنظمة مقاطع من هذه الوقائع، فيما تمكنت صحيفة elDiario.es من الوصول إلى عدد من التسجيلات والتحقق من مضمونها، مع الإشارة إلى أن تاريخ بعض المقاطع لم يكن ممكناً التحقق منه بشكل مستقل.
مشاهد تطرح أسئلة ثقيلة
في أحد التسجيلات، يظهر عسكريان يلاحقان شاباً مهاجراً بالقرب من منطقة إل برينسيب، قبل أن يتمكنا من الإمساك به وطرحه أرضاً. وتظهر اللقطات بعد ذلك وصول عناصر عسكريين آخرين إلى المكان، بينما يتعرض المهاجر للضرب بالعصي وهو على الأرض.
وفي تسجيل آخر، يظهر عدد من العسكريين وهم يلاحقون مجموعة من المهاجرين في محيط المنطقة نفسها، بينما يتعرض أحد الأشخاص للضرب بعد سقوطه وعدم قدرته على مواصلة الفرار. وتُسمع في التسجيلات أصوات صراخ واستغاثة، وفق ما أوردته وسائل الإعلام الإسبانية التي راجعت المقاطع.
وتكتسب هذه المشاهد أهمية خاصة لأنها لا تتعلق بمجرد روايات شفوية، بل بتسجيلات مصورة قالت elDiario.es إنها تحققت من عدد منها. وفي الوقت نفسه، يظل تحديد هوية جميع العناصر الظاهرة في التسجيلات والظروف الدقيقة لكل واقعة من اختصاص التحقيقات الرسمية والقضائية.
من حماية الحدود إلى حدود استخدام القوة
القضية لا تتعلق فقط بسلوك أفراد، وإنما تطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة المهام التي تضطلع بها القوات العسكرية داخل المجال المدني، وحدود استخدام القوة في التعامل مع أشخاص في وضعية هشّة.
فوفق ما أوردته وسائل إعلام إسبانية، فإن القوات المسلحة المنتشرة في سبتة لا تضطلع، في الأصل، بالمهام الشرطية التقليدية المتعلقة بالأمن العام والنظام العام، وهي اختصاصات ترتبط أساساً بأجهزة الشرطة والحرس المدني. ولذلك فإن ظهور عسكريين وهم يستخدمون العصي ضد أشخاص ممددين على الأرض يثير أسئلة قانونية ومؤسساتية تتجاوز الواقعة نفسها.
وفي مثل هذه الحالات، فإن معيار الضرورة والتناسب يصبح محورياً في تقييم أي عملية استخدام للقوة. فوجود مهاجر في وضعية غير نظامية لا يسقط عنه، من حيث المبدأ، الحماية الأساسية التي تكفلها قواعد حقوق الإنسان، كما أن مخالفة قوانين الهجرة لا تشكل بذاتها مبرراً لاستخدام قوة غير ضرورية أو غير متناسبة.
شهادات سابقة تعزز الحاجة إلى التحقيق
وتأتي التسجيلات في سياق سبق أن شهد نشر شهادات لعشرات المهاجرين الذين تحدثوا عن تعرضهم للضرب والمطاردة والإهانة ومصادرة الهواتف وبعض الممتلكات من طرف عناصر عسكرية خلال دوريات في المدينة.
وكانت elDiario.es قد نقلت في وقت سابق شهادات نحو عشرين مهاجراً، كما نشرت صوراً لإصابات قال أصحابها إنها نتجت عن اعتداءات منسوبة إلى عسكريين. وفي إحدى الحالات، عرض شاب مغربي إصابات على ظهره، بينما تحدثت تقارير أخرى عن أشخاص احتاجوا إلى رعاية طبية بعد تعرضهم لإصابات.
كما أعلنت أكثر من 90 منظمة، في سبتمبر الجاري، دعمها لبيان يدين ما وصفته منظمة Border Resistance بأعمال عنف ومضايقات متكررة ضد مهاجرين في سبتة. وهذه المواقف تبقى، بطبيعة الحال، جزءاً من رواية المنظمات الحقوقية، ولا تعفي الجهات المختصة من ضرورة التحقق المستقل من كل واقعة وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية.
مدريد أمام اختبار الشفافية والمساءلة
أمام انتشار هذه المقاطع، أعلنت مصادر من رئاسة الحكومة الإسبانية أن الحكومة تنظر إلى الصور بقلق بالغ وأنها ستفتح تحقيقاً بشأن الوقائع. ويمنح هذا الإعلان القضية بعداً مؤسساتياً، خصوصاً أن الأمر يتعلق بأفراد يرتدون الزي العسكري ويظهرون أثناء ممارسة القوة في فضاء مدني.
وتكمن أهمية التحقيق في ضرورة الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الدقيقة: من أصدر التعليمات؟ ما طبيعة المهمة التي كانت تؤديها الوحدات العسكرية؟ هل كان استخدام القوة ضرورياً في كل حالة؟ وهل كانت هناك وسائل أقل عنفاً متاحة؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبت تجاوز الحدود القانونية؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من خلال الصور وحدها، مهما كانت صادمة، وإنما تحتاج إلى تحقيق مستقل يشمل التسجيلات الكاملة، وشهادات الضحايا والشهود، وتقارير الإصابات الطبية، وسجلات الدوريات والأوامر العملياتية، إضافة إلى تحديد هوية العناصر المشاركين في كل واقعة.
حقوق الإنسان لا تتجزأ
تضع هذه القضية إسبانيا، كما تضع المؤسسات الأوروبية المعنية بالهجرة والحدود، أمام مفارقة صعبة: فمن جهة، تمتلك الدول الحق في مراقبة حدودها وتنفيذ قوانين الهجرة؛ ومن جهة أخرى، فإن ممارسة هذه الصلاحيات تظل مقيدة بالقانون وبالالتزامات المتعلقة بكرامة الإنسان وسلامته الجسدية.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن فقط في حماية الحدود، وإنما في الطريقة التي تتم بها هذه الحماية. فاحترام القانون لا ينبغي أن يتوقف عند الحدود الجغرافية أو عند الوضع الإداري للشخص، كما أن مكافحة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تتحول إلى مبرر مفتوح لاستخدام القوة.
وإذا أثبت التحقيق الرسمي صحة الوقائع التي تظهرها التسجيلات، فإن القضية ستتجاوز حدود حادثة فردية لتصبح اختباراً حقيقياً لآليات الرقابة والمساءلة داخل المؤسسات الإسبانية، ولقدرة الدولة على ضمان ألا تتحول حماية الحدود إلى انتهاك للحقوق الأساسية للأشخاص الموجودين على الجانب الآخر من معادلة الهجرة.
أما إذا أظهرت التحقيقات خلاف ذلك، فإن نشر التسجيلات نفسها يفرض ضرورة توضيح الملابسات كاملة، حتى لا تبقى الوقائع رهينة للروايات المتعارضة أو للاستخدام السياسي والإعلامي لمأساة المهاجرين.
في سبتة، لا يتعلق الأمر في نهاية المطاف بجدل الهجرة وحده، بل بالسؤال الأكثر جوهرية: أين تنتهي سلطة الدولة في حماية حدودها، وأين يبدأ واجبها في حماية الإنسان؟