غلاء الأسعار يضغط على الأسر الجزائرية ويعيد سؤال الاختلالات الاقتصادية إلى الواجهة

بوشعيب البازي

تجد الأسر الجزائرية، مع نهاية شهر شتنبر، نفسها أمام موجة جديدة من ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، بعدما سجلت أسواق الخضر والفواكه واللحوم زيادات متتالية أثقلت كاهل الأسر، وحولت تدبير النفقات اليومية إلى تحدٍّ متزايد، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات محدودة ومتوسطة الدخل.

وتعيد هذه التطورات المعيشية النقاش حول قدرة السياسات الاقتصادية المعتمدة على احتواء اضطرابات الأسعار وضمان استقرار الأسواق، في ظل استمرار الاعتماد الكبير على مداخيل المحروقات، وما يرافق ذلك من نقاش داخلي بشأن تنويع الاقتصاد وتعزيز الإنتاج المحلي وسلاسل التوزيع.

وتشير تقارير ميدانية نشرتها وسائل إعلام ومنصات رقمية جزائرية إلى تفاوتات ملحوظة بين أسعار أسواق الجملة والأسواق الموجهة إلى المستهلك النهائي، إلى جانب ارتفاع أسعار عدد من الخضر الأساسية. وقد رصدت منصة «الترا جزائر»، إلى جانب شبكة «الفلاحية» المتخصصة، فروقاً لافتة في الأسعار بين مختلف حلقات التوزيع، بما يعكس حجم الإشكالات التي تواجه السوق الداخلية، سواء على مستوى الإنتاج أو النقل أو الوساطة التجارية.

وفي السياق ذاته، سلطت صحيفة «شهاب برس» الضوء على الارتفاع المسجل في سعر البطاطا، إحدى المواد الأكثر حضوراً في السلة الغذائية للأسر الجزائرية، مشيرة إلى بلوغ سعر الكيلوغرام نحو 140 ديناراً في بعض الأسواق. ويشكل هذا المستوى السعري ضغطاً إضافياً على ميزانيات الأسر، ولا سيما في ظل ارتفاع تكاليف عدد من المواد والخدمات الأساسية.

ولا تقتصر تداعيات ارتفاع الأسعار على الرقم المسجل في الأسواق، بل تمتد إلى القدرة الشرائية للمواطنين، إذ يصبح ارتفاع سعر مادة غذائية أساسية مؤشراً على حجم الضغط الذي تتحمله ميزانية الأسرة في نهاية كل شهر. كما أن اتساع الفارق بين أسعار الجملة والتقسيط يطرح تساؤلات بشأن كفاءة منظومة التوزيع وآليات مراقبة السوق وهوامش الربح بين مختلف المتدخلين.

وتأتي هذه التطورات في وقت تؤكد فيه السلطات الجزائرية، في مناسبات مختلفة، أهمية ضمان تموين السوق والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين. غير أن استمرار التذبذب في أسعار بعض المواد الغذائية يعيد إلى الواجهة الحاجة إلى معالجة الاختلالات البنيوية التي تتجاوز مسألة المراقبة الظرفية للأسعار، لتشمل الإنتاج الفلاحي، والتخزين، والنقل، والوساطة التجارية، وتنظيم أسواق الجملة.

كما يفتح الوضع الاقتصادي نقاشاً أوسع حول أولويات الإنفاق العام والسياسات الاقتصادية الجزائرية. فانتقادات المعارضة وبعض الأصوات الإعلامية والمدنية تنصب، من جهة، على ما تعتبره توجيهاً لجزء مهم من الموارد نحو ملفات خارجية ودبلوماسية، بينما ترى السلطات أن تحركاتها الإقليمية والدبلوماسية تندرج ضمن حماية مصالح الدولة وأمنها الاستراتيجي.

وبعيداً عن السجال السياسي، تبقى المعادلة الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى المواطن مرتبطة بمؤشر بسيط ومباشر: القدرة على شراء المواد الأساسية بأجر أو دخل يحافظ على قيمته. فكلما ارتفعت أسعار الغذاء بوتيرة تفوق نمو الدخول، اتسعت الفجوة بين الدخل والنفقات، وتحول التضخم من مؤشر اقتصادي إلى قضية اجتماعية تمس الحياة اليومية للأسر.

وتكشف أزمة الأسعار، بذلك، أن استقرار السوق لا يقاس فقط بوفرة السلع في الأسواق، وإنما أيضاً بقدرة المواطن على الوصول إليها بأسعار تتناسب مع قدرته الشرائية. ومن ثم، فإن معالجة هذه الاختلالات تتطلب مقاربة تتجاوز الإجراءات الظرفية، نحو إصلاح أعمق لمنظومة الإنتاج والتوزيع والتخزين، وتعزيز المنافسة والشفافية، وتقليص الفوارق بين المنتج والمستهلك.

وفي نهاية المطاف، تظل أسعار المواد الغذائية أحد أكثر المؤشرات حساسية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، لأنها تصل مباشرة إلى مائدة الأسرة. وكل ارتفاع متكرر في أسعار المواد الأساسية يعيد طرح السؤال نفسه: إلى أي حد تستطيع السياسات الاقتصادية تحويل الموارد المتاحة إلى تحسين ملموس ومستدام في القدرة الشرائية للمواطن؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com