الصحراء: مفاوضات تدخل التفاصيل وتختبر حدود التسوية السياسية

بوشعيب البازي

يكشف التقرير الجديد للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن الصحراء عن تحول لافت في طبيعة المسار التفاوضي، بعدما انتقل النقاش من تبادل المواقف العامة إلى بحث ترتيبات عملية يمكن أن ترافق أي تسوية سياسية محتملة.

ويأتي هذا التطور في أعقاب استئناف الاتصالات المباشرة بين المغرب وجبهة بوليساريو والجزائر وموريتانيا، خلال الربع الأول من عام 2026، وبرعاية أممية وأميركية. ويعتبر غوتيريش أن انعقاد ثلاث جولات تفاوضية خلال يناير وفبراير، للمرة الأولى منذ نحو سبع سنوات، أعاد بعض الزخم إلى مسار كان قد دخل مرحلة طويلة من الجمود.

من المبادئ إلى هندسة التسوية

أصبح مقترح الحكم الذاتي المغربي، وفق التقرير، نقطة الانطلاق الأساسية للمباحثات، في انسجام مع الإطار الذي حدده قرار مجلس الأمن 2797. وفي يناير، قدم المغرب نسخة موسعة ومحدثة من مبادرته التي تعود إلى عام 2007، تحت عنوان «مشروع نظام للحكم الذاتي»، وشاركها مع المبعوث الشخصي للأمين العام والولايات المتحدة وباقي الأطراف المشاركة.

ولا يعني تداول الوثيقة أنها أصبحت اتفاقاً نهائياً. فتقرير غوتيريش يوضح أنها أُعدت أساساً للتفاوض، فيما قدمت بوليساريو، من جهتها، وثيقة محدثة لمقترحها المتعلق بـ«ضمانات ما بعد الاستفتاء»، كانت قد أحالتها إلى الأمين العام في أكتوبر 2025.

ويحافظ هذا التفصيل على نقطة أساسية في المسار الحالي: المفاوضات لم تنتج بعد صيغة تسوية، وإنما بدأت في اختبار العناصر التي يمكن أن تشكل بنيتها المستقبلية.

واشنطن ومدريد: الاقتراب من التفاصيل

انعقدت الجولة الأولى في واشنطن يومي 18 و19 يناير، وركزت على عرض المقترحات وتوضيح مواقف الأطراف. وأبدى المغرب، بحسب التقرير، استعداده للعمل مع بوليساريو على صيغة يتم التوصل إليها من خلال التفاوض، بينما قدمت الجبهة أفكارها استناداً إلى وثيقتها السابقة.

لكن التحول الأبرز ظهر خلال الجولة الثانية التي استضافتها مدريد يومي 8 و9 فبراير. فقد انتقلت المناقشات إلى قضايا أكثر ارتباطاً بمرحلة ما بعد التوصل إلى اتفاق، من بينها احتمال إنشاء مجلس انتقالي لإدارة بعض شؤون المرحلة الانتقالية، ودور الأطراف الدولية والضمانات المرتبطة بتنفيذ أي اتفاق، فضلاً عن تقاسم الموارد وقضايا العفو والمصالحة ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والترتيبات الأمنية والانتخابية.

وطرحت موريتانيا كذلك فكرة إنشاء لجنة تعمل على التوصل، بصورة توافقية، إلى تحديد نهائي ودائم للحدود الدولية للمنطقة موضوع النزاع.

غير أن التقرير يشدد، بصورة واضحة، على أن هذه العناصر لا تمثل اتفاقات مكتملة، بل أفكاراً وبدائل جرى تداولها في إطار البحث عن أرضية مشتركة.

تقرير المصير والسيادة: العقدة الأصعب

الجولة الثالثة، التي عقدت في واشنطن يومي 23 و24 فبراير، نقلت النقاش إلى مستوى أكثر حساسية. فقد ناقش المشاركون بصورة مباشرة مسألتي تقرير المصير والسيادة، وهما جوهر الخلاف التاريخي بين الأطراف.

وبسبب استمرار التباعد في المواقف، لجأ الرئيسان المشاركان إلى مشاورات منفصلة مع الأطراف، سعياً إلى تحديد مساحات يمكن البناء عليها. وفي هذا السياق، شدد المبعوث الشخصي ستافان دي ميستورا على ضرورة أن يستجيب أي نموذج للحكم الذاتي لأعلى المعايير الدولية، معتبراً أن قيام حكم ذاتي فعلي يحتاج إلى ضمانات دولية قوية.

وبعد هذه المشاورات، عمل دي ميستورا بالتنسيق مع الجانب الأميركي على إعادة صياغة بعض المقترحات، بما في ذلك مشروع اتفاق إطاري لفترة انتقالية وصيغ توافقية بشأن عدد من القضايا التي طُرحت خلال الجولات السابقة.

لكن الفارق بين «المقترح» و«المتفق عليه» يبقى حاسماً. فلا مجلس انتقالي أُنشئ حتى الآن، ولا فترة انتقالية اعتمدت، ولا تحول مشروع الاتفاق الإطاري إلى اتفاق ملزم.

القرار 2797 كإطار تفاوضي

يمثل قرار مجلس الأمن 2797 أحد أبرز ملامح المرحلة الجديدة. فقد مدد القرار ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «مينورسو» حتى 31 أكتوبر 2026، ودعا الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات دون شروط مسبقة، واضعاً مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمباحثات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه.

وفي الوقت نفسه، يؤكد تقرير غوتيريش أن القرار لا يفرض مسبقاً نتيجة المفاوضات. وهذا التمييز مهم سياسياً، لأن اعتماد مقترح الحكم الذاتي أساساً للتفاوض لا يعني أن تفاصيل التسوية قد حُسمت، كما أن مشاركة أي طرف في العملية لا تعني قبوله المسبق بمخرجاتها.

وتحاول الأمم المتحدة بذلك الحفاظ على مساحة تفاوضية تسمح بمناقشة المقترح المغربي، مع إبقاء النتيجة النهائية مرتبطة بما يمكن أن تتوافق عليه الأطراف.

من أفكار انتقالية إلى اتفاق قابل للتنفيذ

المسار الحالي يطرح سؤالاً يتجاوز مجرد استئناف المفاوضات: هل تستطيع الأطراف الانتقال من تبادل المقترحات إلى التفاوض على اتفاق قابل للتنفيذ؟

فالحديث عن مجلس انتقالي، وضمانات دولية، وترتيبات أمنية، ونزع السلاح وإعادة الإدماج، وتقاسم الموارد، والمصالحة، والانتخابات، يعني أن النقاش بدأ يلامس هندسة مرحلة ما بعد النزاع، وليس فقط المبادئ التي حكمت الملف طوال العقود الماضية.

لكن هذا التقدم يحمل معه أيضاً صعوبة أكبر. فكلما اقتربت المفاوضات من التفاصيل، ازدادت الحاجة إلى تسوية قضايا السيادة وتقرير المصير والضمانات الدولية وموقع كل طرف في الترتيبات المستقبلية.

ولهذا تبدو المرحلة الحالية مزدوجة الوجه: فهي من جهة الأكثر تقدماً منذ سنوات، لأنها تضع عناصر عملية على طاولة النقاش؛ ومن جهة أخرى، تكشف بوضوح حجم الخلافات التي لا تزال تحول دون تحويل الأفكار إلى اتفاق.

اختبار أكتوبر

تتجه الأنظار الآن إلى مجلس الأمن، حيث تعود قضية الصحراء إلى واجهة النقاش خلال أكتوبر، بالتزامن مع اقتراب انتهاء ولاية «مينورسو» في 31 أكتوبر.

وتأتي إحاطات المبعوث الشخصي ستافان دي ميستورا والممثل الخاص للأمين العام ورئيس بعثة «مينورسو» ألكسندر إيفانكو في ظرف مختلف عن المراحل السابقة: فالمسار السياسي لم يعد متوقفاً بالكامل، والجولات الثلاث الأولى من عام 2026 أنتجت مجموعة من الأفكار والوثائق والمقترحات التي أصبحت جزءاً من النقاش الدولي.

غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد الاجتماعات ولا في كثافة الوثائق المتبادلة، بل في قدرة الأطراف على تحويل هذه المواد التفاوضية إلى تفاهمات سياسية قابلة للتطبيق.

وهنا تحديداً تكمن أهمية المرحلة المقبلة. فإذا نجحت المفاوضات في تضييق الفجوة بين المواقف المتعارضة، فقد يكون عام 2026 نقطة انتقال من إدارة النزاع إلى محاولة إعادة صياغة شروط تسويته. أما إذا عادت القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها السيادة وتقرير المصير، إلى إنتاج المواقف نفسها، فقد تبقى الترتيبات التي نوقشت في واشنطن ومدريد مجرد سيناريوهات تفاوضية لم تصل بعد إلى مرحلة القرار.

في الحالتين، يبدو أن مسار الصحراء دخل مرحلة مختلفة: لم يعد السؤال فقط عن شكل الحل، بل عن كيفية بنائه، ومن سيديره، وما الضمانات التي سترافقه، وكيف يمكن تحويله من صيغة سياسية على الورق إلى ترتيبات قابلة للحياة على الأرض.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com