لم يعد النقاش حول الخطاب السياسي في المغرب مرتبطاً فقط بما يقوله السياسيون، بل بالطريقة التي يقولون بها ما يريدون قوله. فحين تتحول المنافسة الحزبية من مواجهة بين البرامج إلى تبادل للنعوت والاتهامات، يصبح السؤال أكبر من خلاف عابر بين قيادات حزبية: أي نموذج للممارسة السياسية تريد الأحزاب أن تقدمه للرأي العام؟
تطرح عودة حزب العدالة والتنمية إلى مجلس النواب، بعد انتخابات 23 سبتمبر، هذا السؤال بقوة، خصوصاً مع استعادة أمينه العام عبدالإله بنكيران موقعاً متقدماً في المشهد السياسي، وعودته إلى ممارسة المعارضة بنبرة أكثر صدامية. فالحزب الذي خرج من انتخابات 2021 بـ13 مقعداً عاد هذه المرة بـ54 مقعداً، محتلاً المرتبة الرابعة، وهي قفزة انتخابية مهمة، لكنها لا تعني بالضرورة استعادة الموقع الذي كان يحتله قبل زلزال 2021.
الأهم أن بنكيران لم ينتظر طويلاً قبل العودة إلى قلب السجال. فقد اختار توجيه انتقادات مباشرة إلى حزب الأصالة والمعاصرة وقياداته، ولا سيما أمينه العام السابق ووزير العدل في الحكومة المنتهية ولايتها عبد اللطيف وهبي، مستخدماً في حقه أوصافاً شخصية قاسية، من بينها “الكذاب” و”الكركوز”، في سياق رده على تصريحات ومواقف سابقة.
قد يكون هذا الأسلوب جزءاً من شخصية بنكيران السياسية المعروفة بقدرتها على تحويل النقاش السياسي إلى مواجهة مباشرة مع الخصوم. غير أن نجاح هذه الطريقة في جذب الانتباه لا يحسم السؤال المتعلق بجدواها السياسية، ولا يلغي الحاجة إلى التمييز بين المعارضة الحادة والشخصنة.
عودة انتخابية لا تعني استعادة النفوذ
لا شك أن نتيجة العدالة والتنمية تمثل خروجاً نسبياً من منطقة الخطر التي وجد الحزب نفسه فيها بعد انتخابات 2021. الانتقال من 13 إلى 54 مقعداً أعاد الحزب إلى البرلمان قوة وازنة، ومنح بنكيران هامشاً جديداً للتحرك داخل التنظيم وخارجه.
لكن الأرقام نفسها تفرض قدراً من الواقعية.
فالعدالة والتنمية حل رابعاً، خلف الأصالة والمعاصرة الذي تصدر الانتخابات بـ97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار بـ66، والاستقلال بـ65. وبالتالي فإن الحديث عن “عودة” الحزب يحتاج إلى التمييز بين استعادة الحضور البرلماني واستعادة القيادة السياسية.
الأول تحقق بالفعل. أما الثاني فما زال رهيناً بما سيفعله الحزب بهذه المقاعد.
فالبرلمان لا يكافئ أعلى الأصوات وحدها، وإنما يكشف أيضاً قدرة الأحزاب على بناء خطاب مؤثر، وممارسة رقابة فعالة، وتقديم بدائل سياسية قابلة للنقاش، وإقناع الناخب بأن المعارضة ليست مجرد رفع الصوت في وجه الحكومة.
بنكيران يعود إلى منطق المواجهة
من هذه الزاوية، يمكن فهم اللهجة التي يعتمدها بنكيران باعتبارها محاولة لإعادة تعريف موقع العدالة والتنمية في المرحلة الجديدة.
الحزب لم يعد معنياً فقط بالدفاع عن حصيلة سابقة أو تبرير نتائج 2021، بل يريد تقديم نفسه باعتباره قوة معارضة قادرة على إزعاج الأغلبية ومساءلتها. والهجوم على الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات، يحمل بالتالي رسالة مزدوجة: إلى الخصوم من جهة، وإلى القاعدة الانتخابية من جهة أخرى.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح اللغة نفسها هي الحدث.
حين يوصف سياسي بعبارات من قبيل “الكذاب” أو “الكركوز”، يتراجع النقاش حول مواقفه وقراراته وحصيلته، ويصبح الجمهور أمام مواجهة شخصية بين شخصين. وهنا تفقد المعارضة جزءاً من وظيفتها الأساسية: مساءلة السلطة بالوقائع والحجج والبدائل.
يمكن لبنكيران أن يكون شديداً في انتقاد سياسات الحكومة، وأن يهاجم اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية، وأن يشكك في أولوياتها أو في طريقة تدبيرها للشأن العام. بل إن ذلك جزء طبيعي من وظيفة المعارضة. لكن قوة المعارضة لا تقاس بحدة المفردات، وإنما بقدرتها على تحويل النقد إلى قضية سياسية قابلة للإقناع.
وهبي وبنكيران… مرآتان لخطاب صدامي
غير أن اختزال المشكلة في بنكيران وحده سيكون قراءة ناقصة.
عبد اللطيف وهبي نفسه لم يكن بعيداً عن خطاب سياسي مثير للجدل خلال السنوات الماضية، وكانت له تصريحات ومواقف أثارت انتقادات واسعة بسبب حدتها أحياناً وخروجها عن القواعد التقليدية للسجال السياسي.
لذلك فإن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة لشخص بعينه، لأن الظاهرة أوسع من ذلك. إنها تعكس ثقافة سياسية باتت فيها العبارة الصادمة قادرة على الانتشار أسرع بكثير من الحجة السياسية، وأصبح فيها السياسي أحياناً أمام إغراء مخاطبة الجمهور بلغة المواجهة بدلاً من الدخول في تفاصيل البرامج والسياسات.
وهذا ليس تحدياً يخص العدالة والتنمية أو الأصالة والمعاصرة وحدهما. إنه سؤال مطروح على المشهد الحزبي بأكمله.
المعارضة أمام اختبار مختلف
المهمة التي تنتظر العدالة والتنمية الآن أكثر تعقيداً من استعادة المقاعد.
فـ54 نائباً يمكن أن يشكلوا كتلة مؤثرة إذا امتلك الحزب استراتيجية برلمانية واضحة، وحدد أولوياته الرقابية والتشريعية، وقدم مقترحات بديلة في ملفات الاقتصاد والتشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية.
أما إذا اختُزلت المعارضة في الرد على تصريحات الخصوم ومهاجمة الأشخاص، فقد يجد الحزب نفسه أسيراً للمنطق نفسه الذي ينتقده: سياسة تقوم على ردود الفعل أكثر مما تقوم على صناعة البدائل.
وتزداد أهمية هذا الاختبار لأن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة بالنسبة إلى الحكومة المقبلة أيضاً. فالأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات، أمام مسؤولية تحويل الانتصار الانتخابي إلى أغلبية حكومية قادرة على العمل، في ظل حاجته إلى بناء تحالفات تضمن له 198 مقعداً على الأقل لتأمين الأغلبية داخل مجلس النواب.
ومن هنا، فإن موقع العدالة والتنمية في المعارضة سيكون مهماً، ليس فقط للحزب، بل لتوازن الحياة البرلمانية نفسها.
السياسة تحتاج إلى استعادة لغة الثقة
هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله: نسبة المشاركة الوطنية التي بلغت 38.08 في المئة. فالانتخابات قد تعيد توزيع المقاعد بين الأحزاب، لكنها لا تلغي السؤال الأكبر المتعلق بمستوى الثقة والمشاركة السياسية.
وفي سياق كهذا، يصبح الخطاب السياسي مسؤولية إضافية.
فالمواطن الذي ابتعد عن صناديق الاقتراع لا يحتاج بالضرورة إلى مزيد من المعارك اللفظية بين السياسيين، بقدر ما يحتاج إلى رؤية واضحة لما ستفعله الأحزاب حين تصل إلى البرلمان، وكيف ستدافع عن مصالحه، وما البدائل التي تقترحها.
لهذا، فإن أخلقة العمل السياسي ليست ترفاً لغوياً ولا دعوة إلى سياسة بلا صراع. الديمقراطية تحتاج إلى المعارضة، والمنافسة تحتاج إلى الاختلاف، والبرلمان يحتاج إلى سجال حقيقي. لكن كل ذلك يفقد جزءاً من معناه عندما تتحول الخصومة السياسية إلى خصومة شخصية.
الامتحان الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات
قد يكون بنكيران قد نجح في استعادة موقعه داخل العدالة والتنمية، وقد تكون نتائج الانتخابات قد منحت الحزب فرصة للخروج من تداعيات هزيمة 2021. لكن النجاح السياسي الحقيقي سيقاس بما سيحدث داخل البرلمان، لا بما سيقال أمام الكاميرات.
إذا تمكن الحزب من تحويل الـ54 مقعداً إلى معارضة منظمة، تراقب الحكومة، وتفكك قراراتها، وتقترح البدائل، فقد تكون العودة الانتخابية بداية مسار جديد.
أما إذا ظل حضوره مرتبطاً أساساً بالمواجهات الكلامية، فقد ينجح في الحفاظ على حضوره الإعلامي، من دون أن ينجح بالضرورة في استعادة ثقله السياسي.
وفي المقابل، فإن على الأصالة والمعاصرة، باعتباره القوة المتصدرة للانتخابات، أن يدرك أن الفوز الانتخابي لا يمنحه حصانة من النقد، وأن أفضل رد على المعارضة ليس الرد عليها بالخطاب نفسه، وإنما بالأداء والنتائج.
في النهاية، لا تحتاج السياسة المغربية إلى إلغاء الصراع، بل إلى رفع مستواه. فالمعارضة القوية ليست التي تهين خصمها، والحكومة الناجحة ليست التي تسكت منتقديها. السياسة الأكثر نضجاً هي التي تجعل من الاختلاف وسيلة لتقديم البدائل، ومن البرلمان فضاءً للمحاسبة، ومن المنافسة الحزبية طريقاً لتحسين أداء الدولة.
وقد تكون عودة العدالة والتنمية إلى البرلمان فرصة لإعادة بناء هذا النوع من التنافس. لكن ذلك يتطلب من جميع الأطراف أن تدرك أن ارتفاع الصوت قد يصنع لحظة إعلامية، بينما الحجة والأداء وحدهما قادران على صناعة موقع سياسي مستدام