الرباط ــ لم يكن الإعلان عن وفاة بوعلام بوعلام، مدير ديوان رئاسة الجمهورية الجزائرية، مجرد خبر يتعلق برحيل مسؤول بارز، بل حدثاً يعيد، في توقيته، فتح النقاش حول طبيعة موازين القوى داخل دوائر القرار في الجزائر.
فقد أعلنت الرئاسة الجزائرية، مساء الاثنين 5 أكتوبر 2026، وفاة بوعلام بوعلام في أحد مستشفيات جنيف بسويسرا، حيث كان يتلقى العلاج إثر مرض عضال. وتؤكد وكالة الأنباء الجزائرية أن الراحل كان يشغل منصب مدير ديوان الرئاسة، من دون أن تدخل في تفاصيل إضافية حول طبيعة مرضه أو خلفيات غيابه خلال الأشهر الأخيرة.
غير أن أهمية الرجل في السنوات الأخيرة لم تكن مرتبطة بالمنصب الإداري الذي شغله فقط، وإنما بالموقع الذي احتله داخل الدائرة الأقرب إلى الرئيس عبد المجيد تبون، وبالدور الذي نسبته إليه تقارير وتحليلات في إدارة الملفات الحساسة داخل قصر المرادية.
من المستشار القانوني إلى قلب الرئاسة
دخل بوعلام بوعلام إلى محيط الرئاسة في مرحلة مبكرة من عهد تبون، بعدما عُيّن مستشاراً مكلفاً بالشؤون القانونية والعلاقات مع المؤسسات والتحقيقات والاعتمادات. وفي نوفمبر 2023، تولى إدارة ديوان الرئاسة، بعد انتقال نذير العرباوي إلى رئاسة الحكومة، ليصبح أحد أبرز أعضاء الحلقة المحيطة بالرئيس.
وقبل ذلك، كان قد شغل خلال عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة مسؤوليات مرتبطة بالملفات القانونية والأمنية، من بينها إدارة الهيئة الوطنية للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها.
ذلك المسار منح الرجل معرفة واسعة بآليات اشتغال مؤسسات الدولة وبشبكات القرار التي تتقاطع فيها الاعتبارات القانونية والسياسية والأمنية. وهي خبرة جعلته، وفق قراءات صحفية، شخصية ذات وزن داخل المؤسسة الرئاسية.
لكن من المهم التمييز هنا بين الوقائع المثبتة وبين ما راج في بعض الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية من روايات عن امتلاك الرجل ملفات حساسة أو دخوله في مواجهة مباشرة مع قيادات عسكرية. فهذه الأخيرة تبقى، في جزء كبير منها، ضمن دائرة التحليل والتقدير السياسي وليست وقائع أعلنتها مؤسسة رسمية.
غياب أثار الأسئلة
خلال الأشهر التي سبقت وفاته، تراجع ظهور بوعلام بوعلام في المشهد العام. وكان آخر ظهور علني بارز له، بحسب تقارير إعلامية، خلال استقبال الرئيس تبون المنتخب الوطني الجزائري لكرة القدم في يونيو الماضي.
في المقابل، ظهر إبراهيم مراد، وزير الدولة ووزير الداخلية السابق ومدير حملة تبون الانتخابية، في موقع متقدم داخل الديوان الرئاسي، الأمر الذي فتح باب التكهنات بشأن مستقبل بوعلام بوعلام.
وبينما ذهب البعض إلى احتمال إبعاده، ربط آخرون غيابه بوضعه الصحي. وجاء إعلان الرئاسة عن وفاته في جنيف ليضع حداً لهذه التكهنات، مؤكداً أنه كان يخضع للعلاج في الخارج.
صراع الصلاحيات خلف أبواب مغلقة
ارتبط اسم بوعلام بوعلام أيضاً بمرحلة شهدت نقاشاً واسعاً حول حدود العلاقة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية.
وفي مطلع 2026، برز اسمه في سياق الجدل الذي رافق حديثاً عن إمكانية تعديل دستوري يسمح للرئيس تبون بالترشح لولاية ثالثة. وقد اضطر بوعلام بوعلام إلى الظهور إعلامياً لنفي وجود مشروع رسمي بهذا الاتجاه، قبل أن يؤكد الرئيس تبون لاحقاً الموقف نفسه.
وقد اكتسبت القضية أهمية أكبر بسبب ما رافقها، وفق تقارير صحفية، من توتر سياسي بين الرئاسة وقيادة الجيش، خصوصاً في ظل غياب الفريق أول السعيد شنقريحة عن بعض المناسبات السياسية البارزة آنذاك. إلا أن طبيعة الخلاف الحقيقية وحدوده ظلت بعيدة عن التوضيح الرسمي.
وهنا تكمن أهمية بوعلام بوعلام: فقد كان أحد المسؤولين الذين يعملون في المنطقة الواقعة بين القرار السياسي والإدارة المؤسساتية، وهي منطقة تجعل مدير الديوان أحياناً أكثر من مجرد منسق للأجندة الرئاسية.
رجل الملفات أكثر من رجل الواجهة
لم يكن بوعلام بوعلام من السياسيين الذين بنوا حضورهم عبر الخطابات أو المؤتمرات الصحفية. قوته، كما تظهر من مساره، كانت في العمل خلف المؤسسات، وفي إدارة الملفات التي تتطلب معرفة دقيقة بمراكز القرار.
ولهذا السبب اكتسب منصبه أهمية تتجاوز الوصف الإداري التقليدي. فمدير الديوان يوجد في نقطة تلتقي فيها الرئاسة بالحكومة والبرلمان والمؤسسات الأمنية والعسكرية، ويملك بحكم موقعه قدرة كبيرة على ترتيب الملفات وتحديد الأولويات وتسهيل وصول أصحاب القرار إلى الرئيس.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الاهتمام الذي حظي به الرجل داخل المشهد السياسي الجزائري، حتى وإن ظلت تفاصيل نفوذه الفعلي غير معلنة.
ماذا بعد الرحيل؟
السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط من سيخلف بوعلام بوعلام، وإنما ما إذا كان غيابه سيؤدي إلى إعادة ترتيب داخل الدائرة المحيطة بالرئيس تبون.
فالرئاسة الجزائرية لا تواجه مجرد مسألة تعيين مدير ديوان جديد. إنها أمام ضرورة إعادة توزيع عدد من الملفات التي كانت تمر عبر شخصية راكمت، خلال سنوات، معرفة واسعة بمؤسسات الدولة وبشبكاتها الإدارية والسياسية.
وفي الأنظمة السياسية التي تتسم بتركيز القرار حول مؤسسة الرئاسة، تصبح الشخصيات التي تعمل في الظل ذات أهمية استثنائية. رحيلها لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير في السياسات، لكنه قد يغير طريقة صناعة القرار، وترتيب الأولويات، وقنوات التواصل بين مختلف مراكز النفوذ.
أما الحديث عن أن وفاة بوعلام بوعلام تمثل انتصاراً لمعسكر على حساب آخر، أو أنها ستؤدي تلقائياً إلى اتساع نفوذ المؤسسة العسكرية، فيحتاج إلى أكثر من الاستنتاجات الصحفية المتداولة. فموازين القوى داخل الدولة الجزائرية لا تُقرأ فقط من خلال الأسماء التي تظهر في الواجهة، وإنما أيضاً من خلال التعيينات المقبلة، ومسارات المؤسسات، وطريقة توزيع الملفات في مرحلة ما بعد الرجل.
وهكذا، يطوي بوعلام بوعلام صفحته الأخيرة بعد سنوات قضاها قريباً من مركز القرار الجزائري. لكن وفاته تترك وراءها سؤالاً سياسياً أكبر من سيرته الشخصية: هل كان الرجل يمثل مرحلة من إعادة تموضع الرئاسة داخل منظومة الحكم، أم أنه كان مجرد أحد مهندسيها الذين سيأتي غيره لمواصلة المهمة؟
الإجابة لن تأتي من مراسم التشييع ولا من بيانات النعي، وإنما من القرارات التي ستصدر من قصر المرادية في الأسابيع والأشهر المقبلة.