حراس الأمن الخاص بالمرافق الحيوية: حين تتحول الحراسة إلى سلطة بلا تكوين

بوشعيب البازي

في محطات القطار، أمام المستشفيات، عند مداخل الإدارات وبعض المرافق التي يفترض أن تكون فضاءات منظمة وآمنة، يواجه المواطن أحياناً مشهداً يطرح أكثر من علامة استفهام: حراس أمن خاص يتولون تنظيم الولوج، مراقبة المداخل وتوجيه المرتفقين، من دون أن يبدو دائماً أن التكوين المهني والقانوني الذي تتطلبه هذه المسؤوليات حاضر بالقدر الكافي.

المشكلة هنا لا تتعلق بمهنة الحراسة الخاصة في حد ذاتها، ولا بالعاملين فيها كفئة اجتماعية. فهناك مهنيون يؤدون مهامهم بانضباط واحترام، ويعملون في ظروف صعبة وبأجور محدودة. الإشكال الحقيقي يرتبط بكيفية الولوج إلى المهنة، وبمستوى التكوين، وبالرقابة على الشركات والأفراد، وبمدى وضوح الحدود الفاصلة بين الحارس الخاص وبين السلطات التي يخول لها القانون استعمال القوة أو اتخاذ قرارات تمس حقوق المواطنين.

حين يتجاوز الحارس حدود مهمته

الحارس الخاص ليس شرطياً، ولا موظفاً إدارياً، ولا يملك سلطة مفتوحة على المواطنين. مهمته، في الأصل، مرتبطة بالحماية والمراقبة وتنظيم الولوج في الحدود التي يسمح بها القانون والعقد الذي يعمل بموجبه.

لكن بعض الممارسات اليومية تعطي انطباعاً مختلفاً. مواطن يُمنع من دخول مرفق دون تفسير واضح، أو يُعامل بفظاظة، أو يدخل في مواجهة مع حارس يعتقد أن الزي الذي يرتديه يمنحه سلطة لا يملكها قانوناً. وفي حالات أكثر خطورة، تبرز شكايات أو وقائع تتحدث عن استعمال العنف أو الإهانة أو التدخل خارج نطاق الاختصاص.

وإذا ثبتت مثل هذه الوقائع، فإنها لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها مجرد «سوء تفاهم» بين حارس ومرتفق. لأن الأمر يتعلق بمرفق حيوي وبحقوق مواطنين، وبمهنة يفترض أن تقوم أساساً على الانضباط وضبط النفس ومعرفة القانون.

الوظيفة لا تعني غياب المعايير

يحتاج سوق العمل المغربي إلى آلاف فرص الشغل، ومهنة الحراسة الخاصة تستوعب عدداً كبيراً من الباحثين عن العمل. وهذا أمر إيجابي في حد ذاته. لكن خلق فرص العمل لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتخفيف شروط الولوج إلى مهن تتصل مباشرة بأمن الأشخاص وسلامتهم وتنظيم حركة المواطنين.

ليس المطلوب أن يصبح حارس الأمن الخاص رجل قانون أو خريجاً جامعياً بالضرورة. لكن الحد الأدنى من الكفاءة يجب أن يكون واضحاً: القدرة على التواصل، معرفة الحقوق والواجبات، الإلمام بالقواعد القانونية الأساسية، التحكم في النفس، التعامل مع الحالات الطارئة، الإسعافات الأولية، إدارة النزاعات، ومعرفة دقيقة بحدود الصلاحيات.

أما أن يُسند التعامل مع آلاف المواطنين إلى أشخاص لم يتلقوا تكويناً مناسباً، أو أن تصبح المعرفة الشخصية والوساطة الطريق الأسهل إلى بعض الوظائف، فذلك يضر بالمهنة نفسها قبل أن يضر بالمواطن.

المستشفى ومحطة القطار ليستا مكانين للتجربة

تزداد حساسية الموضوع عندما يتعلق الأمر بالمستشفيات ومحطات القطارات والمطارات والإدارات والمواقع التي تعرف حركة بشرية كثيفة.

في المستشفى، قد يكون الشخص الذي يقف أمام الباب مريضاً أو مرافقاً مرتبكاً أو في حالة نفسية صعبة. وفي محطة القطار، قد يكون المسافر مستعجلاً أو غير ملم بإجراءات الولوج. التعامل مع هذه الحالات يحتاج إلى تدريب على التواصل وفض النزاعات، وليس إلى الصراخ أو التهديد أو الاستعراض.

الحارس الجيد لا يقاس بقدرته على رفع صوته، وإنما بقدرته على فرض النظام بأقل قدر ممكن من التوتر. وهذه مهارة مهنية تحتاج إلى تدريب، وليست صفة تلقائية تأتي مع ارتداء الزي الرسمي.

من المسؤول عن شركات الحراسة؟

السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند الحارس الموجود أمام الباب. فخلف كل حارس شركة، وخلف الشركة دفتر تحملات وعقود والتزامات ومسؤوليات يفترض أن تخضع للمراقبة.

لذلك، فإن معالجة الاختلالات تبدأ من الأعلى: كيف يتم اختيار العاملين؟ ما مستوى التكوين الذي يخضعون له قبل مباشرة العمل؟ هل يخضعون لاختبارات دورية؟ هل يتم تجديد تكوينهم؟ كيف تتم معالجة شكايات المواطنين؟ وما هي العقوبات المهنية عندما يتجاوز أحدهم حدود اختصاصه؟

كما أن المؤسسات التي تستعين بخدمات شركات الحراسة مطالبة بدورها بعدم التعامل مع هذه الخدمة باعتبارها مجرد بند في فاتورة. فاختيار شركة غير مؤهلة أو التغاضي عن ضعف تكوين موظفيها قد تكون له عواقب تتجاوز الجانب المالي.

كأس العالم يفرض رفع سقف المعايير

المغرب مقبل على استحقاق عالمي كبير مع تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال. وهذا الحدث لا يتعلق بالملاعب فقط، بل بمنظومة أمن واستقبال ونقل وإدارة حشود وخدمات تمتد إلى محطات القطارات والمطارات والفنادق والمستشفيات والمناطق السياحية والفضاءات العمومية.

ومن الطبيعي أن يكون الأمن الخاص جزءاً من هذه المنظومة، لكن الاعتماد عليه يتطلب مهننة حقيقية للقطاع.

لا يمكن أن نستعد لاستقبال ملايين الزوار بالمنطق نفسه الذي يجعل الحراسة وظيفة مؤقتة لا تحتاج إلا إلى زي رسمي وبطاقة مهنية. صورة المغرب في مثل هذه التظاهرات ستُبنى أيضاً من خلال التفاصيل الصغيرة: طريقة استقبال المسافر، كيفية التعامل مع مشجع أجنبي، إدارة طابور، معالجة خلاف، أو توجيه شخص تائه.

التنظيم العالمي يبدأ من التفاصيل المحلية.

المطلوب: مهنة منظمة لا مجرد فرص شغل

المغرب لا يحتاج إلى إلغاء فرص العمل في هذا القطاع، بل إلى جعلها أكثر مهنية. فكلما ارتفع مستوى التأهيل، ارتفعت قيمة الحارس نفسه وتحسنت ظروف عمله ومكانته الاجتماعية.

المطلوب هو وضع معايير واضحة وشفافة للولوج إلى المهنة، مع تكوين إلزامي واختبارات في القانون والتواصل والسلامة والإسعافات الأولية وإدارة النزاعات، ثم تكوين مستمر لا ينتهي بمجرد الحصول على الوظيفة.

كما ينبغي تعزيز آليات المراقبة والمساءلة، وإحداث قنوات واضحة لتلقي شكايات المواطنين، مع التمييز بين الأخطاء المهنية البسيطة والتجاوزات التي قد تشكل اعتداءً أو مخالفة قانونية.

فالزي الرسمي لا يمنح صاحبه سلطة مطلقة، والعمل في مرفق عمومي أو أمام مؤسسة حيوية لا يعني امتلاك الحق في إهانة المواطن أو ضربه أو منعه تعسفاً من الولوج.

الأمن الخاص يحتاج إلى إعادة الاعتبار

المفارقة أن الحارس الخاص نفسه قد يكون أول ضحايا هذا الوضع. عندما تُختزل المهنة في الوقوف عند الأبواب، من دون تكوين كافٍ أو مسار مهني واضح أو رقابة فعالة، فإن العامل يتحمل مسؤوليات أكبر من الأدوات التي توفر له لممارستها.

لذلك فإن إصلاح القطاع ليس موجهاً ضد حراس الأمن الخاص، وإنما لصالحهم أيضاً. المطلوب أن يتحول الحارس من مجرد شخص يقف أمام الباب إلى مهني يعرف مهمته وحدودها، ويدرك أن احترام المواطن جزء من الأمن وليس عائقاً أمامه.

في نهاية المطاف، لا تُقاس قوة منظومة الأمن بعدد الأشخاص الذين يقفون عند المداخل، وإنما بمستوى تأهيلهم، بوضوح صلاحياتهم، وبقدرتهم على حماية النظام من دون المساس بحقوق الناس.

وإذا كان المغرب يريد أن يثبت قدرته على تنظيم تظاهرات دولية كبرى، فإن إصلاح مهنة الحراسة الخاصة ليس تفصيلاً ثانوياً. إنه جزء من صورة الدولة، ومن جودة الخدمات العمومية، ومن الثقة التي يجب أن يشعر بها المواطن قبل الزائر.

أما استمرار التعامل مع هذه المهنة بمنطق «أي شخص يمكنه القيام بالمهمة»، فهو رهان قد يصبح مكلفاً عندما ترتفع المسؤوليات وتكبر التحديات. فالأمن مهنة، والمهنة تحتاج إلى تكوين، والتكوين يحتاج إلى معايير، والمعايير لا تحتمل المجاملة أو الارتجال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com