المغاربة في صدارة حاملي تصاريح الإقامة بالاتحاد الأوروبي.. هجرة تتجاوز الوافدين الجدد نحو الاستقرار طويل الأمد

حنان الفاتحي

بأكثر من 2.23 مليون تصريح إقامة ساري بنهاية عام 2025، يتصدر المغاربة مواطني الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من حيث رصيد الإقامات القانونية. وتكشف الأرقام عن مسار هجرة تشكّل على مدى عقود، بفعل الروابط العائلية والاقتصادية والاجتماعية، واستمرار تدفق وافدين جدد إلى الفضاء الأوروبي.

لم تعد الهجرة المغربية إلى أوروبا قابلة للاختزال في حركة عبور عبر البحر الأبيض المتوسط أو في النقاشات المرتبطة بتشديد مراقبة الحدود. فالأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات» ترسم صورة أكثر تعقيداً، عنوانها استقرار سكاني متراكم، تتداخل فيه الهجرة المهنية ولمّ الشمل الأسري والدراسة، إلى جانب امتداد شبكات اجتماعية تكونت على مدى أجيال.

وتؤكد بيانات نهاية عام 2025 هذا التحول، بعدما تصدر المواطنون المغاربة قائمة مواطني الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الذين يحملون تصاريح إقامة سارية، بنحو 2.23 مليون تصريح. وجاء الأتراك في المرتبة الثانية بحوالي مليوني تصريح، يليهم الأوكرانيون بنحو 1.66 مليون، ضمن مجموع بلغ 27.8 مليون تصريح إقامة ساري لمواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي.

ولا تعني هذه الأرقام أن أكثر من مليوني مغربي وصلوا إلى أوروبا خلال سنة واحدة، بل تمثل رصيد التصاريح السارية في نهاية العام، بما يشمل أوضاع إقامة تراكمت عبر فترات زمنية مختلفة. ومن ثم، فإن أهميتها تكمن في إظهار حجم الحضور القانوني المغربي واستمراريته، وليس في قياس التدفقات السنوية للهجرة.

حضور متراكم وتدفقات جديدة

تزداد دلالة هذه الصدارة عند مقارنتها بمعطيات الإقامات الأولى التي أصدرتها دول الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025. فقد بلغ عدد هذه التصاريح نحو 3.9 مليون، بزيادة قدرها 10.1 في المئة مقارنة بعام 2024، مسجلاً أعلى مستوى منذ بدء تسجيل هذه البيانات عام 2008.

وحصل المواطنون المغاربة على 202,054 تصريح إقامة أولياً، أي ما يعادل نحو 5.2 في المئة من الإجمالي، ليحتلوا المرتبة الثالثة بعد الأوكرانيين والهنود.

ويكشف الجمع بين المؤشرين عن خصوصية الحضور المغربي في أوروبا: فمن جهة، هناك رصيد كبير من الإقامات التي تعكس استقراراً ممتداً؛ ومن جهة أخرى، تستمر الهجرة القانونية المغربية بوتيرة ملحوظة. وهو ما يبرز تداخل عاملين أساسيين، يتمثل الأول في استمرار الروابط بين المهاجرين المقيمين وأسرهم في المغرب، والثاني في تجدد دوافع الانتقال إلى أوروبا لأسباب مهنية وعائلية وتعليمية.

لكن تصاريح الإقامة الأولى لا تعني بالضرورة أن جميع المستفيدين منها وصلوا حديثاً إلى أوروبا، إذ يمكن أن ترتبط أيضاً بتغير الوضع القانوني لأشخاص كانوا يقيمون فيها من قبل. لذلك، ينبغي التمييز بين إصدار تصريح أولي وبين عدد الوافدين الجدد فعلياً.

الأسرة.. أحد محركات الاستقرار

تحتل الروابط العائلية موقعاً محورياً في فهم استمرارية الهجرة المغربية. فعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، مثّل لمّ شمل الأسرة السبب الرئيسي لتصاريح الإقامة السارية بنهاية عام 2025، بنسبة بلغت 32.4 في المئة من الإجمالي. كما جاء سبب الأسرة في المرتبة الثانية ضمن الإقامات الأولى الصادرة خلال العام، بنحو 1.1 مليون تصريح، أو 28.1 في المئة من مجموعها.

وتساعد هذه المعطيات على تفسير كيفية انتقال الهجرة من تجربة فردية مرتبطة بالعمل أو الدراسة إلى استقرار اجتماعي أوسع، تتكون معه أسر وتتعزز الروابط بين بلدان الأصل والإقامة.

وفي الحالة المغربية، لا يقتصر الأمر على الأفراد الذين انتقلوا إلى أوروبا خلال العقود الماضية، بل يشمل أيضاً أجيالاً نشأت داخل المجتمعات الأوروبية، وأصبحت لها مسارات تعليمية ومهنية واجتماعية خاصة بها، مع استمرار ارتباطها، بدرجات متفاوتة، بالمغرب.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين الهجرة بوصفها حركة انتقال سكاني، والهجرة بوصفها ظاهرة اجتماعية طويلة الأمد. فاستقرار الجالية لا يرتبط فقط بتجديد تصاريح الإقامة، وإنما أيضاً بتكوين الأسر والاندماج في سوق العمل والتعليم والمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية ببلدان الاستقبال.

إسبانيا وفرنسا وإيطاليا.. خريطة الثقل المغربي

تظهر الخريطة الجغرافية للإقامات المغربية استمرار تمركز الجزء الأكبر من الجالية داخل ثلاث دول أوروبية رئيسية. فقد استحوذت إسبانيا على نحو 42.4 في المئة من تصاريح الإقامة السارية التي يحملها مغاربة في الاتحاد الأوروبي، بما يقارب 945 ألف تصريح، تلتها فرنسا بنحو 621 ألفاً، ثم إيطاليا بحوالي 437 ألفاً.

ولا يمكن فصل هذا التوزيع عن التاريخ الطويل للهجرة المغربية، ولا عن القرب الجغرافي والروابط الاقتصادية والاجتماعية التي تربط المملكة بهذه الدول. كما تؤدي الشبكات العائلية والمهنية دوراً في توجيه جزء من الهجرة الجديدة نحو وجهات توجد فيها جاليات مستقرة توفر روابط اجتماعية ومعلومات تساعد على الانتقال والإقامة.

وتعزز بيانات الإقامات الأولى هذه الصورة؛ إذ استحوذت إسبانيا على 43.8 في المئة من التصاريح الأولى الممنوحة للمواطنين المغاربة داخل الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025. ويشير ذلك إلى استمرار مركزية الوجهة الإسبانية في الهجرة القانونية المغربية، رغم التغيرات التي تعرفها السياسات الأوروبية في مجال الهجرة والحدود.

غير أن هذه النسب لا تكفي وحدها لتفسير دوافع اختيار كل بلد، كما أنها لا تعكس بالضرورة التوزيع الكامل للمغاربة في أوروبا، لأن المؤشر يتعلق بتصاريح الإقامة الصادرة في دول الاتحاد الأوروبي، وليس بجميع الأوضاع القانونية أو بأشخاص يحملون جنسيات أوروبية.

مقارنة تكشف اختلاف مسارات الهجرة

تساعد مقارنة الأرقام المغربية بمعطيات الجنسيات الأخرى على فهم طبيعة التحولات التي تشهدها الهجرة الأوروبية. فقد تصدر الأوكرانيون قائمة المستفيدين من تصاريح الإقامة الأولى خلال عام 2025 بنحو 335 ألف تصريح، تلاهم الهنود بحوالي 228 ألفاً، ثم المغاربة بأكثر من 202 ألف تصريح.

لكن هذه الأرقام لا تعكس مسارات متطابقة. فالهجرة الأوكرانية تأثرت بصورة استثنائية بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، بينما ترتبط أجزاء مهمة من الهجرة الهندية بفرص العمل والدراسة، في حين يتشكل الحضور المغربي ضمن سياق تاريخي يجمع بين العمل ولمّ الشمل وشبكات الهجرة المستقرة.

وتجدر الإشارة إلى أن بيانات تصاريح الإقامة التي يستند إليها هذا الترتيب تستثني المستفيدين من الحماية المؤقتة بسبب الحرب في أوكرانيا، إذ تُسجل أوضاعهم ضمن قاعدة بيانات منفصلة لدى «يوروستات». وهو تفصيل منهجي ضروري لتجنب الخلط بين المؤشرات المختلفة عند قراءة الأرقام الأوروبية.

وبالتالي، لا ينبغي النظر إلى ترتيب الجنسيات باعتباره مقياساً موحداً لدوافع الهجرة أو لدرجة الاستقرار، لأن كل مجموعة تتأثر بظروف قانونية واقتصادية وجيوسياسية مختلفة.

الجالية المغربية.. من ملف الهجرة إلى واقع سكاني واقتصادي

تكشف هذه المؤشرات أن الحضور المغربي في أوروبا أصبح جزءاً من البنية السكانية والاجتماعية لعدد من الدول الأعضاء، وليس مجرد نتيجة لتدفقات حديثة. فقد أنتجت عقود من الهجرة علاقات أسرية واقتصادية ومهنية ممتدة، كما أفرزت أجيالاً ترتبط ببلدان الإقامة من خلال الدراسة والعمل والحياة اليومية، مع احتفاظ كثير منها بروابط مع بلد الأصل.

وتفرض هذه التحولات مقاربة تتجاوز النقاش التقليدي حول أعداد الوافدين ومراقبة الحدود، لتشمل قضايا الاعتراف بالمؤهلات، والتنقل المهني، وتكافؤ الفرص، وتعليم اللغات، ومشاركة أفراد الجالية في الحياة العامة، فضلاً عن طبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين المغرب وأوروبا.

كما تطرح الأرقام أسئلة بشأن السياسات العمومية الموجهة إلى المغاربة المقيمين بالخارج، ومدى قدرة المؤسسات المغربية والأوروبية على مواكبة احتياجات جالية تتسم بتنوع أوضاعها القانونية والاجتماعية، وتختلف أولويات أجيالها بحسب ظروف الإقامة والعمل والتعليم.

ومع ذلك، لا ينبغي تحويل صدارة المغاربة في رصيد تصاريح الإقامة إلى استنتاجات قطعية بشأن مستقبل الهجرة. فالقوانين الوطنية تختلف بين الدول الأعضاء، كما تتأثر الإحصاءات بتجديد التصاريح وتغيير الأوضاع القانونية والتطورات الاقتصادية والديمغرافية.

مؤشر على علاقة طويلة الأمد

إن وجود أكثر من 2.23 مليون تصريح إقامة ساري لمواطنين مغاربة في الاتحاد الأوروبي، إلى جانب إصدار أكثر من 202 ألف تصريح إقامة أولي لهم خلال عام 2025، يضع المغرب في موقع بارز ضمن خريطة الهجرة القانونية الأوروبية.

غير أن القيمة الأعمق لهذه الأرقام لا تكمن في الترتيب وحده، بل في ما تكشفه عن تحول الهجرة المغربية إلى ظاهرة ممتدة، تجمع بين الاستقرار العائلي والاندماج الاقتصادي وتجدد تدفقات الإقامة القانونية.

وبين إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، حيث يتركز القسم الأكبر من هذا الحضور، تتجسد علاقة تاريخية بين المغرب وأوروبا تتجاوز حركة الأشخاص إلى الروابط الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية.

فالهجرة المغربية لم تعد مجرد ملف حدودي، بل أصبحت واقعاً سكانياً واجتماعياً طويل الأمد، تتوقف إدارته على سياسات تستوعب متطلبات الاستقرار والاندماج، وتحافظ في الوقت نفسه على المصالح المشتركة بين المغرب وبلدان الاستقبال. وهذه هي الدلالة الأساسية التي تمنح الأرقام الأوروبية أهميتها: ليس فقط عدد التصاريح الصادرة، وإنما المسار التاريخي الذي جعل الحضور المغربي مكوناً ثابتاً في المشهد الأوروبي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com