الصناعة الدفاعية المغربية.. من استيراد السلاح إلى توطين التكنولوجيا العسكرية المتقدمة

بوشعيب البازي

شراكة «هارماتان إيه آي» لتطوير وإنتاج منظومة «إيريفي» تفتح آفاقاً جديدة أمام طموح الرباط لبناء قاعدة صناعية دفاعية، في تحول يتجاوز اقتناء المعدات إلى الاستثمار في البحث والتطوير والذكاء الاصطناعي.

لم يعد الرهان المغربي في مجال الصناعات الدفاعية مقتصراً على تحديث الترسانة العسكرية أو استقطاب الشركات الدولية المتخصصة في الطيران والتجميع والصيانة. فقد بدأت المملكة تتجه نحو مرحلة أكثر تقدماً، تقوم على توطين التكنولوجيا العسكرية وتطوير قدرات وطنية في البحث والهندسة والتصنيع، بما يتيح لها تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية وتقليص اعتمادها على الخارج في بعض المجالات الحيوية.

وفي هذا السياق، يندرج الإعلان عن توقيع خطاب نوايا بين إدارة الدفاع الوطني وشركة «هارماتان إيه آي» المغرب، الأربعاء، خلال افتتاح الدورة الثامنة من معرض مراكش الدولي للطيران. ويهم الاتفاق التعاون في اقتناء وتطوير وإنتاج منظومة «إيريفي» للضربات بعيدة المدى داخل المغرب، من دون الكشف عن القيمة المالية للمشروع أو عدد الأنظمة المرتقب اقتناؤها أو الجدول الزمني لتنفيذه.

ويعكس هذا التطور توجهاً نحو توسيع نطاق الشراكات الدفاعية، من مجرد الحصول على المعدات العسكرية إلى بناء قدرات صناعية وتقنية مرتبطة بتطويرها وإنتاجها محلياً. غير أن توقيع خطاب النوايا لا يعني أن المنظومة دخلت الخدمة لدى القوات المسلحة الملكية، إذ تظل تفاصيل التنفيذ والكميات والآجال غير معلنة.

منظومة «إيريفي».. طموح تكنولوجي بقدرات بعيدة المدى

تقدم شركة «هارماتان إيه آي» منظومة «إيريفي» باعتبارها نظاماً ذاتي التشغيل مخصصاً للضربات بعيدة المدى، بمدى معلن يصل إلى 2000 كيلومتر. وتعتمد، وفق المعطيات التي نشرتها الشركة، على منصة إطلاق متحركة وحاويات مخصصة للإطلاق، في حين لم تكشف تفاصيل الحمولة التي يمكن أن تحملها المنظومة.

وتقول الشركة إن النظام صُمم للعمل في بيئات تتعرض فيها الاتصالات وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية للتشويش، مع إخضاع قرار الإطلاق لموافقة بشرية مسبقة. ومع ذلك، فإن تقييم القدرات الفعلية للمنظومة يظل رهيناً بتوافر معطيات تقنية مستقلة، لا بمجرد المواصفات التي تعلنها الجهة المطورة.

وتكمن أهمية المشروع بالنسبة إلى المغرب في أن تطوير الأنظمة العسكرية المتقدمة يتجاوز امتلاك المعدات الجاهزة، ليشمل التحكم في البرمجيات والإلكترونيات والهندسة والاختبارات الصناعية، فضلاً عن القدرة على الصيانة والتحديث. وهذه المجالات تمثل أحد الاختبارات الأساسية لأي سياسة ترمي إلى تحويل المشتريات الدفاعية إلى رافعة لبناء الخبرات المحلية.

من التعاون العسكري إلى التصنيع المحلي

لا يأتي الاتفاق الجديد بمعزل عن مسار التعاون الذي بدأ في يونيو الماضي بين «هارماتان إيه آي» والقوات المسلحة الملكية، والذي استهدف تطوير قدرات محلية لتصنيع الأنظمة الدفاعية المستقلة، وإنشاء مركز للبحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري، إلى جانب تعزيز التعاون مع مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي المغربية.

ويكشف الانتقال إلى مشروع «إيريفي» عن اتساع نطاق هذا التعاون، من تقنيات دفاعية محددة إلى منظومة صناعية أكثر تعقيداً، تجمع بين تطوير التكنولوجيا وإنتاج المعدات وتأهيل الكفاءات. وهو مسار يمكن أن يمنح الصناعة الدفاعية المغربية قيمة مضافة أكبر، شريطة أن يتجاوز التصنيع المحلي مراحله الأولية إلى نقل حقيقي للمعرفة التقنية والقدرة على تطوير المكونات والأنظمة.

فالتحدي لا يتمثل في إقامة وحدات إنتاج فحسب، وإنما في تحديد حجم ما ستنجزه الكفاءات المغربية، ومدى مشاركتها في مراحل التصميم والهندسة والاختبار، فضلاً عن قدرة المؤسسات الوطنية على مواصلة التطوير بعد انتهاء المراحل الأولى من الشراكة.

استراتيجية تتجاوز شراء المعدات العسكرية

خلال افتتاح معرض مراكش الدولي للطيران، أكد الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي، توجه المغرب نحو الانتقال من استيراد القدرات الدفاعية إلى بناء قدرات وطنية، مستفيداً من التطور الذي شهده قطاع الطيران والفضاء والتكنولوجيات المرتبطة به.

ويستند هذا التوجه إلى قاعدة صناعية تشكلت على مدى سنوات من خلال استقطاب شركات دولية وتطوير أنشطة مرتبطة بصناعة الطيران وصيانة المعدات وتجميع بعض مكوناتها. وتسعى المملكة إلى توظيف هذه الخبرة لتوسيع نطاق التصنيع والهندسة والبحث والتطوير، مع تعزيز اندماجها في سلاسل الإنتاج العالمية واستقطاب استثمارات وتكنولوجيات جديدة.

وشهد معرض مراكش، في هذا الإطار، الإعلان عن اتفاقات ومشاريع مع شركات دولية تنشط في مجالات الطيران والدفاع، من بينها «بوينغ» و«إيرباص» و«لوكهيد مارتن» و«سافران»، إلى جانب مبادرات مرتبطة بالبحث والتطوير والتصنيع المتقدم.

وتعكس هذه المشاريع توجهاً نحو الربط بين الاستثمار الصناعي ونقل الخبرات وتكوين الكفاءات، بما يجعل قطاع الطيران والدفاع أحد المجالات التي تراهن عليها المملكة لتعزيز قاعدتها الإنتاجية وتطوير قدراتها التكنولوجية.

الاستقلال الدفاعي.. طموح تصطدم به تحديات التكنولوجيا والتكلفة

يرى الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية هشام معتضد أن الشراكة تندرج ضمن تصور طويل الأمد لبناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية، تقوم على الجمع بين التصنيع ونقل التكنولوجيا والبحث والتطوير. ووفق هذا التصور، لا تكمن القيمة الأساسية للمشروع في اقتناء منظومة عسكرية جديدة فحسب، بل في إمكانية توطين أجزاء من سلسلة تطويرها وإنتاجها داخل المغرب.

ومن شأن توسيع القدرات المحلية أن يساعد القوات المسلحة الملكية على تلبية جانب من احتياجاتها، وأن يحد، على المدى الطويل، من التعرض لتقلبات سلاسل الإمداد الخارجية، خصوصاً في فترات الأزمات الجيوسياسية أو عندما تتغير أولويات الدول الموردة.

لكن هذا الطموح لا يعني أن المغرب أصبح مستقلاً عن الخارج في مجال التسليح. فالصناعات الدفاعية المتقدمة تتطلب استثمارات كبيرة، وخبرات علمية وهندسية متخصصة، وقدرة على تأمين المكونات الحساسة، فضلاً عن استمرار التعاون مع الشركات الدولية المالكة للتكنولوجيا والخبرة الصناعية.

كما أن التصنيع داخل البلاد لا يضمن تلقائياً نقل التكنولوجيا؛ إذ يتوقف الأمر على طبيعة العقود، ومستوى المشاركة المغربية في التصميم والإنتاج، وشروط نقل المعرفة، ومدى قدرة المهندسين والباحثين المحليين على تطوير الأنظمة وصيانتها بصورة مستقلة.

ومن هنا، فإن نجاح المشروع سيقاس بقدرته على خلق قيمة صناعية مستدامة، وليس فقط بعدد المعدات التي يمكن إنتاجها أو تجميعها محلياً.

معرض مراكش واختبار الانتقال من الاتفاقات إلى الإنتاج

يتجاوز دور معرض مراكش الدولي للطيران عرض الطائرات والمعدات العسكرية، ليصبح منصة لاستقطاب الاستثمارات وبناء الشراكات الصناعية والتكنولوجية. وتمنح هذه اللقاءات المغرب فرصة لربط احتياجاته الدفاعية بمشاريع إنتاجية يمكن أن تسهم في تطوير الخبرات الوطنية وخلق فرص عمل مؤهلة وتعزيز البحث العلمي التطبيقي.

وفي هذا الإطار، يشكل مشروع «إيريفي» اختباراً لمدى قدرة المملكة على تحويل الاتفاقات المعلنة إلى برامج صناعية ملموسة، تقوم على نقل المعرفة وتكوين الكفاءات وتوسيع مساهمة الشركات والمؤسسات المغربية في سلسلة الإنتاج.

ولا تزال أسئلة أساسية تنتظر الإجابة، من بينها الجدول الزمني لتنفيذ المشروع، وحجم الاستثمار، ونسبة المكونات المصنعة محلياً، وطبيعة التكنولوجيا التي سيجري نقلها، ومستوى المشاركة الفعلية للمهندسين والباحثين المغاربة.

ومع غياب هذه التفاصيل، يبقى من المبكر الحكم على حجم التحول الذي يمكن أن تحدثه المنظومة في القدرات الدفاعية والصناعية للمملكة. لكن الإعلان عن التعاون في تطوير وإنتاج نظام بعيد المدى يعكس اتجاهاً واضحاً نحو توسيع مفهوم الأمن الدفاعي ليشمل البنية الصناعية والتكنولوجية التي تقوم عليها القدرة العسكرية.

في المحصلة، لا يكمن الرهان المغربي في امتلاك أسلحة أكثر تطوراً فحسب، بل في بناء منظومة وطنية قادرة على المشاركة في إنتاجها وتطويرها. وبين الطموح الاستراتيجي ومتطلبات التنفيذ، سيظل نجاح هذه السياسة مرتبطاً بمدى قدرة المملكة على تحويل الشراكات الدولية إلى معرفة محلية، واستثمارات منتجة، وكفاءات مؤهلة، وقاعدة صناعية تستطيع مواصلة التطور على المدى الطويل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com