الجزائر وفنّ صناعة الأكاذيب السياسية: حين يتحول الاشتباه إلى مؤامرة جاهزة
بقلم: بوشعيب البازي
61 مغربياً في رواية أمنية مثيرة، واتهامات ثقيلة تنتظر ما هو أهم من البلاغات الرسمية: الأدلة
ثمة أنظمة لا تحتاج إلى اختراع عدو جديد كل يوم، بقدر ما تحتاج إلى إعادة تدوير العدو القديم، وتغيير ديكور الحكاية، ثم تقديمها للرأي العام باعتبارها اكتشافاً أمنياً استثنائياً. وفي هذا النوع من السياسة، لا تكون الحقيقة هي نقطة الانطلاق، بل نتيجة يُراد للجمهور أن يصل إليها قبل أن يطّلع على الوقائع. أما الشك، فيتحول بقدرة البلاغ الرسمي إلى يقين، وتصبح الرواية الأمنية أقرب إلى حكم نهائي، حتى قبل أن تقول العدالة كلمتها.
الإعلان الجزائري عن توقيف 61 مواطناً مغربياً، للاشتباه في التخطيط لأعمال تخريبية ومحاولة تغيير النظام، يقدم نموذجاً جديداً لهذا الأسلوب في تدبير الخصومة مع المغرب. فقد نقلت وكالة الأنباء الجزائرية عن السلطات الأمنية رواية تتحدث عن تفكيك ما وصفته بـ«شبكة إجرامية دولية مغربية»، في قضية تجمع بين التسلل عبر الحدود، والمسالك الجبلية والغابوية، والأموال بالدرهم واليورو، فضلاً عن وجود عسكري مغربي سابق بين المشتبه فيهم.
ينقص هذه الحبكة، من الناحية السينمائية وحدها، أن يُعثر في أحد الجيوب على خريطة سرية لقصر المرادية، حتى تكتمل عناصر فيلم تجسس منخفض التكلفة، مرتفع النبرة الدعائية.
لكن السياسة ليست سينما، والبلاغ الأمني ليس سيناريو يُعفى كاتبه من تقديم الأدلة. فحين يتعلق الأمر باتهامات بهذا الحجم، لا يكفي أن تُحشد التفاصيل المثيرة، ولا أن يُستدعى قاموس التخريب وزعزعة الاستقرار وتغيير النظام لإضفاء هالة من الخطورة على القضية. المطلوب هو ما هو أبسط وأكثر جدية: أدلة قابلة للفحص، ووقائع واضحة، وتحقيق قضائي مستقل، واحترام قرينة البراءة.
المشكلة ليست في فتح تحقيق، بل في تحويل الاتهام إلى حقيقة مكتملة قبل انتهاء التحقيق. فمن حق أي دولة أن تحقق في ما تعتبره تهديداً لأمنها، ومن واجبها حماية مؤسساتها ومواطنيها. غير أن هذا الحق لا يمنحها رخصة لتقديم الشكوك باعتبارها حقائق ثابتة، أو لاستخدام جنسية المشتبه فيهم باعتبارها دليلاً سياسياً قائماً بذاته.
فهل تكفي حيازة جواز سفر مغربي ومبالغ مالية لإثبات وجود مخطط لتغيير نظام سياسي؟ وهل يشكل المرور عبر مسالك حدودية، مهما كانت ملابساته، دليلاً كافياً على الانتماء إلى شبكة تخريبية دولية؟ ثم كيف انتقلت القضية، في الخطاب الرسمي، من الاشتباه في مجموعة من الأشخاص إلى توصيف شبكة ذات أهداف سياسية وأمنية بالغة الخطورة؟
هذه أسئلة لا تجيب عنها العناوين المثيرة، ولا تحسمها كثرة التفاصيل الواردة في البلاغات. إنها تحتاج إلى معطيات موثقة، وإلى مسار قضائي يحفظ حقوق المتهمين، ويتيح التمييز بين ما ثبت وما لا يزال مجرد ادعاء.
عندما يصبح المغرب بطلاً إلزامياً في كل رواية
منذ قطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في غشت 2021، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة أكثر قتامة، غذّتها الخلافات السياسية والإقليمية، وفي مقدمتها قضية الصحراء. وفي هذا المناخ، باتت كل قضية ذات صلة بالمغرب قابلة لأن تُقرأ من خلال عدسة الصراع، حتى عندما يتعلق الأمر بملف أمني لم تُكشف بعد جميع عناصره.
والسخرية هنا أن المغرب، في بعض الروايات المتداولة في الخطاب الجزائري، يبدو دولة خارقة القدرات: حاضر في كل أزمة، ومتهم في كل اضطراب، ومشتبه به في كل سيناريو لا يجد أصحابه تفسيراً مريحاً له. ولو جُمعت كل هذه الاتهامات في ملف واحد، لربما احتاجت الأجهزة التي تروجها إلى تفسير كيف استطاعت دولة واحدة، وفق هذه الصورة، أن تتفرغ لكل تلك المؤامرات في الوقت نفسه.
إنها مفارقة لا تخلو من دلالة: كلما تعقدت الأزمات الداخلية أو الإقليمية، ازدادت جاذبية الرواية التي تقدم خصماً خارجياً جاهزاً. فبدلاً من مناقشة المشكلات بميزان الوقائع، يصبح من الأسهل سياسياً وضعها في سياق التهديدات الخارجية، حيث تتحول الخصومة إلى تفسير شامل، وتُختزل الأسئلة المعقدة في اسم دولة واحدة.
لكن كثرة الاتهامات لا تصنع مصداقية، كما أن تكرار الرواية لا يحولها إلى حقيقة. بل إن الإفراط في استخدام خطاب المؤامرة قد يضعف أثره بمرور الوقت، لأن الجمهور، مهما كان مستعداً لتصديق الروايات الرسمية، يحتاج في النهاية إلى ما يتجاوز اللغة التعبوية.
البلاغ ليس محكمة، والإعلام الرسمي ليس بديلاً عن الدليل
المفارقة الأعمق في هذه القضية لا تتعلق فقط بما أعلنته السلطات الجزائرية، بل بالطريقة التي يمكن أن تتحول بها المعلومة الأمنية إلى مادة سياسية جاهزة. فعندما تُقدَّم تفاصيل التوقيف ومسار التنقل والأموال المحجوزة في إطار اتهامات كبرى، يصبح من السهل أن يختلط الوصف الأولي للوقائع بالاستنتاج النهائي بشأن طبيعتها وأهدافها.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات كثيراً ما يجري دمجها في الخطاب الدعائي: ما وقع فعلاً، وما تشتبه السلطات في وقوعه، وما تريد الرواية السياسية إقناع الجمهور بأنه قد وقع. الفارق بين هذه المستويات ليس تفصيلاً لغوياً، بل هو جوهر العمل الصحفي والقضائي المسؤول.
فإذا أثبت التحقيق وجود مخطط إجرامي، وجب التعامل معه وفق القانون ومحاسبة المتورطين بناءً على الأدلة. وإذا لم تثبت الاتهامات، فلا ينبغي أن تتحول مجرد الشبهات إلى إدانة جماعية للمغاربة، أو إلى ذريعة إضافية لتغذية العداء بين شعبين تجمعهما روابط تاريخية واجتماعية وإنسانية عميقة.
أما تقديم القضية منذ بدايتها باعتبارها كشفاً عن «شبكة دولية» ذات أهداف تخريبية، فيطرح سؤالاً مشروعاً حول الحدود الفاصلة بين التواصل الأمني الضروري والتوظيف السياسي للملفات القضائية.
الكذب السياسي لا يحتاج دائماً إلى اختلاق الوقائع
الأكثر خطورة في التضليل السياسي ليس بالضرورة اختراع حادثة من العدم؛ فقد يبدأ الأمر بواقعة حقيقية، كالتوقيف أو الحجز أو فتح تحقيق، ثم يجري تحميلها استنتاجات لا تتناسب بالضرورة مع ما هو متاح من أدلة. وهكذا لا يعود التلاعب مقتصراً على الوقائع نفسها، بل يمتد إلى طريقة ترتيبها وتأويلها وتقديمها للجمهور.
من هنا، لا يمكن الجزم بأن الرواية الجزائرية كاذبة لمجرد أنها صادرة عن سلطة في حالة خصومة مع المغرب. لكن لا يمكن، بالمنطق نفسه، اعتبارها صحيحة لمجرد أن وكالة رسمية نشرتها. فالحقيقة لا تتحدد بهوية المتحدث، بل بقوة الأدلة، وإمكان التحقق منها، وقدرة المؤسسات المستقلة على اختبارها.
وهذا هو الامتحان الحقيقي أمام السلطات الجزائرية: هل ستكتفي بتسويق رواية مثيرة، أم ستترك للعدالة أن تثبت الوقائع بعيداً عن ضغط الخطاب السياسي؟ وهل ستُعامل القضية باعتبارها ملفاً قضائياً يخضع للمعايير القانونية، أم ستُستثمر باعتبارها حلقة جديدة في مسلسل الخصومة مع المغرب؟
إن الدولة الواثقة من أدلتها لا تحتاج إلى الاستعانة بالمبالغة، ولا إلى تحويل كل قضية إلى معركة وطنية. فالأمن الجاد لا يقاس بعدد الأوصاف الثقيلة في البلاغات، وإنما بصلابة التحقيقات، واحترام القانون، وشفافية المساطر القضائية.
أما حين يصبح الاتهام خبراً نهائياً، والاشتباه إدانة مسبقة، والخصم الخارجي تفسيراً جاهزاً لكل شيء، فإن المشكلة لا تعود محصورة في قضية الستين أو الواحد والستين، بل تتعلق بثقافة سياسية ترى في الرواية الرسمية بديلاً عن الحقيقة.
وفي نهاية المطاف، يمكن للسلطات أن تعلن توقيف 61 شخصاً، وأن تضع أمام القضاء ما لديها من أدلة، وأن تطالب بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته. لكن ما لا يمكنها فعله، من دون أن تخاطر بمصداقيتها، هو مطالبة الجميع بتصديق القصة كاملة قبل أن تتاح لهم فرصة معرفة ما إذا كانت تفاصيلها تثبت الاتهامات أم تكتفي بتغذيتها.
فالحقيقة لا تحتاج إلى جواز سفر، ولا تحمل جنسية المتهم أو خصمه. إنها تحتاج إلى دليل. أما الأكاذيب السياسية، فغالباً ما تحتاج فقط إلى ميكروفون رسمي، وخصم جاهز، وجمهور يُطلب منه أن يصفق قبل أن يسأل.