المغرب: القدرة الشرائية وإصلاح التقاعد ومحاربة الفساد في صلب البرنامج الحكومي

حنان الفاتحي

وضعت رئيسة الحكومة المغربية، فاطمة الزهراء المنصوري، تعزيز الدولة الاجتماعية وتحسين دخل الأسر وإصلاح منظومة التقاعد وإعادة تنظيم الأسواق ضمن أولويات المرحلة المقبلة، في برنامج حكومي يراهن على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية وتحفيز الاستثمار المنتج. غير أن نجاح هذه الالتزامات سيظل رهيناً بقدرة الحكومة على تحويلها إلى إجراءات ملموسة تنعكس على الحياة اليومية للمواطنين.

كشفت رئيسة الحكومة المغربية، فاطمة الزهراء المنصوري، خلال عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان، الاثنين، في جلسة مشتركة لمجلسي النواب والمستشارين، عن حزمة من التدابير الرامية إلى مواجهة ارتفاع كلفة المعيشة، وتحسين مداخيل الأسر، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية، إلى جانب إصلاح الاختلالات التي تؤثر في تنافسية الأسواق ونجاعة السياسات العمومية.

وتأتي هذه الالتزامات في سياق تتزايد فيه انتظارات المواطنين بشأن القدرة الشرائية وفرص الشغل وجودة الخدمات الأساسية، ما يجعل التحدي المطروح أمام الحكومة الجديدة مرتبطاً، بالدرجة الأولى، بمدى قدرتها على إحداث تحسن ملموس في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

القدرة الشرائية.. بين ضبط الأسعار وتعزيز الدعم الاجتماعي

تراهن الحكومة على إعادة تنظيم سلاسل التموين والتسويق من أجل الحد من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، عبر إعداد خطط لتوفير المنتجات الاستراتيجية وتقريب المنتجين من المستهلكين، من خلال شركات جهوية ومنصات مهنية للتجميع والتسويق، وفق دفاتر تحملات موحدة.

كما تعتزم إصلاح مسالك تسويق اللحوم والأسماك، وإرساء قواعد واضحة ومستقرة لتنظيم العلاقة بين الصادرات وحاجيات السوق الوطنية، بما يضمن توازناً أفضل بين مصالح المنتجين ومتطلبات التموين الداخلي.

ولا يقتصر التوجه الحكومي على معالجة الأسعار، بل يشمل أيضاً مراجعة آليات الدعم الاجتماعي، من خلال استهداف الأسر وفق مداخيلها الفعلية، مع رفع قيمة الدعم المباشر من 500 إلى 1000 درهم بحلول نهاية الولاية الحكومية، إلى جانب توسيع الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل.

ومن بين الإجراءات المعلنة كذلك، إقرار دعم اجتماعي تلقائي على فاتورة الكهرباء الشهرية الخاصة بالمسكن الرئيسي للأسر المستحقة، في حدود 100 درهم، دون إلزام المعنيين بتقديم طلبات ورقية أو التنقل إلى الإدارات. ويروم هذا الإجراء تخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر هشاشة وتبسيط الولوج إلى المساعدات العمومية.

وفي السياق ذاته، أكدت المنصوري عزم الحكومة تسريع تنزيل الورش الملكي للحماية الاجتماعية، بهدف تحقيق تغطية صحية شاملة وفعالة وضمان استدامة التأمين الإجباري عن المرض.

إصلاح التقاعد.. اختبار جديد للحوار الاجتماعي

يمثل إصلاح أنظمة التقاعد أحد أبرز الملفات الاجتماعية التي تعتزم الحكومة فتحها بالتشاور مع الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين. وترى رئيسة الحكومة أن معالجة هذا الورش لا يمكن اختزالها في مراجعة سن الإحالة على التقاعد أو نسب الاشتراك وطريقة احتساب المعاشات، بل تقتضي إعادة بناء منظومة متكاملة تضمن استدامة التمويل وتحسين مستوى الحماية.

ويشمل التوجه المعلن توسيع التغطية لتشمل الفئات التي لا تستفيد حالياً من معاشات، وتقليص الفوارق بين الأنظمة من حيث الحقوق والواجبات، مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة وضمان انتقال عادل بين مختلف مراحل الإصلاح.

كما تعهدت الحكومة بالرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً في مختلف الأنظمة، في خطوة تربط إصلاح التقاعد بتحسين الدخل الفعلي للمتقاعدين، وليس فقط بضمان استمرار صرف المعاشات.

وفي هذا الإطار، شدد الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، علي لطفي، في تصريح لـ«العرب»، على ضرورة مأسسة الحوار الاجتماعي عبر قانون يحدد دورية جولاته، ويضع آليات واضحة لتتبع الاتفاقات المبرمة وضمان تنفيذها.

واعتبر أن الحوار الاجتماعي ينبغي ألا يظل مرتبطاً بالظروف الاستثنائية أو بتدبير الاحتقان، بل أن يتحول إلى آلية مؤسساتية مستمرة تؤطر العلاقة بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين، وتمنح الاتفاقات الموقعة ضمانات فعلية للتنفيذ.

ودعا لطفي إلى إحداث مجلس أعلى للحوار الاجتماعي والتشغيل، يكون فضاءً مؤسساتياً منفتحاً على مختلف الفاعلين النقابيين والاجتماعيين، بمن فيهم المتقاعدون وجمعيات المعطلين والمقاولات الصغرى والمتوسطة. ويرى أن قضايا التشغيل والحوار الاجتماعي تستدعي مقاربة استراتيجية تتجاوز التدبير القطاعي، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالاستثمار والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.

الأغلبية والمعارضة.. ترقب لمدى تنفيذ الالتزامات

أثار البرنامج الحكومي تفاعلات متفاوتة داخل المؤسسة التشريعية، بين من اعتبره امتداداً للالتزامات الانتخابية للأغلبية، ومن دعا إلى إخضاعه لاختبار التنفيذ والمساءلة.

وأكدت ريم شباط، رئيسة الفريق الحركي المعارض، أن المعارضة ستنتظر ترجمة الوعود المعلنة إلى إجراءات عملية، معربة عن أملها في أن تتمكن الحكومة من الوفاء بالتزاماتها. وشددت على أن فريقها سيؤيد التدابير التي تخدم المصلحة العامة، مع مواصلة دوره الرقابي وإبداء الملاحظات كلما اقتضت الضرورة.

من جهتها، اعتبرت فدوى الرجواني، البرلمانية عن الفريق الاشتراكي، أن البرنامج يعكس تقاطعاً بين الالتزامات الانتخابية للأحزاب المشكلة للأغلبية، مع إعطاء الأولوية للدولة الاجتماعية وحقوق الإنسان. كما دعت إلى إعادة فتح النقاش حول تجريم الإثراء غير المشروع ومحاربة تضارب المصالح، باعتبارهما من الملفات التي تتطلب معالجة تشريعية ومؤسساتية جادة.

في المقابل، أشاد عبد الله بوانو، النائب البرلماني عن فريق العدالة والتنمية، باستناد البرنامج إلى مضامين الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية وعيد العرش. لكنه وصف البرنامج بالمحدود، معتبراً أنه لا يقدم تصورات واضحة في أفق سنة 2031، وأن تركيزه على الجانبين الاقتصادي والاجتماعي لم يصاحبه اهتمام كافٍ ببقية المجالات.

وتكشف هذه المواقف عن تقاطع في المطالب المتعلقة بتحسين الأوضاع الاجتماعية ومحاربة الفساد، مقابل استمرار الخلاف بشأن مدى شمولية البرنامج ووضوح أهدافه وآليات تنزيله.

محاربة الفساد وتضارب المصالح

في محور الحكامة، تعهدت رئيسة الحكومة باستكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، وتجريم الإثراء غير المشروع، والتصدي لتضارب المصالح وفقاً للفصل 36 من الدستور، فضلاً عن تعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات وتجريم تسريب المعلومات بهدف الحصول على امتيازات.

وأكدت المنصوري أن محاربة الفساد تمثل شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة في المؤسسات، مستحضرة تجربتها السياسية الممتدة على مدى 18 عاماً، ومشددة على أن استعادة ثقة المواطنين لا يمكن أن تتحقق من دون مواجهة فعلية للفساد ومظاهر تضارب المصالح.

وتكتسي هذه الالتزامات أهمية خاصة في ظل المطالب المتكررة بتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن ترجمتها إلى نتائج ملموسة ستظل مرتبطة بفعالية آليات المراقبة، واستقلالية مؤسسات الرقابة، وقدرة القوانين على ضمان التطبيق المتكافئ على مختلف الفاعلين.

تنظيم الأسواق وتحفيز الاستثمار المنتج

أعلنت الحكومة، من جهة أخرى، عزمها إطلاق إصلاح هيكلي لتنظيم الأسواق ومحاربة الاحتكار والممارسات التي تؤدي إلى استغلال المستهلكين، من خلال إحداث آليات متخصصة وتعزيز التنسيق مع مجلس المنافسة.

ويشمل التوجه الحكومي وضع آليات لفحص الصفقات العمومية والتحقيق في حالات التواطؤ المحتملة في طلبات العروض، إلى جانب توظيف الطلبية العمومية لدعم الإنتاج الوطني وتعزيز إدماج المقاولات المغربية في الدورة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، تعتزم الحكومة تخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية، وفقاً للمقتضيات القانونية التي أعلنت الالتزام بها، بما يتيح لهذه الفئة فرصاً أكبر للمشاركة في المشاريع العمومية وتوسيع مساهمتها في خلق الثروة وفرص الشغل.

واعتبر رشيد الساري، رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، في تصريح لـ«العرب»، أن الأولويات الراهنة تتمثل في تعزيز الدولة الاجتماعية، وتحصين السيادة الاستراتيجية، وتحفيز الاستثمار المنتج.

وشدد على أن تقييم نجاح الحكومة ينبغي ألا يقتصر على عدد التدابير المعلنة أو حجم الالتزامات المدرجة في البرنامج، بل يجب أن يستند إلى قدرتها على تحسين مستوى عيش المغاربة، ورفع المداخيل، وتوفير فرص الشغل، وإرساء بيئة اقتصادية أكثر قدرة على جذب الاستثمارات المنتجة.

من الوعود إلى النتائج

يرسم البرنامج الحكومي ملامح توجه يجمع بين توسيع الحماية الاجتماعية وإصلاح أنظمة التقاعد، وضبط الأسواق، ومحاربة الفساد، وتحفيز الاستثمار. وهي ملفات مترابطة، إذ يصعب تحقيق تحسن مستدام في القدرة الشرائية من دون معالجة اختلالات التسويق والمنافسة، كما يصعب توسيع الإنفاق الاجتماعي من دون موارد مالية مستدامة واقتصاد قادر على خلق الثروة وفرص العمل.

ويبقى التحدي الأساسي أمام الحكومة هو تحديد الأولويات بدقة، ووضع جداول زمنية واضحة للتنفيذ، وربط الالتزامات بمؤشرات قابلة للقياس والتقييم. فالمعيار الحقيقي لنجاح البرنامج لن يكون في حجم الوعود المعلنة أمام البرلمان، بل في أثرها المباشر على حياة المواطنين، وفي قدرة المؤسسات على تحويلها إلى سياسات عادلة وفعالة ومستدامة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com