ماكرون يبحث عن ضمانات الطاقة في الخليج وسط ضغوط اقتصادية واجتماعية متصاعدة في فرنسا
بوشعيب البازي
باريس تراهن على الغاز القطري والديزل الخليجي لتأمين احتياجات الشتاء، لكن اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف الشحن يضعان فعالية هذه الترتيبات أمام اختبار صعب.
في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة وتداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد الأوروبي، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء، تأمين كميات من الغاز الطبيعي المسال من قطر لتلبية احتياجات بلاده خلال فصل الشتاء، في خطوة تندرج ضمن تحرك أوسع لتعزيز الشراكات الخليجية وتنويع مصادر التزود بالمحروقات.
وقال ماكرون، خلال تصريحات للصحافيين في الدوحة، إنه أمّن ما يعادل تيراواطين في الساعة شهرياً من الغاز الطبيعي المسال خلال الشتاء، معتبراً أن هذه الكميات تمثل إضافة مهمة لاحتياجات فرنسا. غير أن الإعلان لم يتضمن تفاصيل كافية بشأن الطبيعة التعاقدية لهذه الإمدادات، أو ما إذا كانت تستند إلى اتفاق جديد أم إلى ترتيبات مرتبطة بعقود قائمة.
ويأتي التحرك الفرنسي في ظرف اقتصادي واجتماعي حساس، إذ تواجه باريس ضغوطاً مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، بالتزامن مع احتجاجات شهدتها البلاد السبت الماضي، تخللتها أعمال عنف وتخريب. وقد أعادت هذه التطورات ملف القدرة الشرائية إلى واجهة النقاش السياسي، في وقت تتزايد فيه حساسية الأسر والشركات تجاه أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة.
أمن الطاقة في قلب الحسابات الفرنسية
لا يمكن اختزال الجولة الخليجية في الاستجابة للاضطرابات الداخلية، بالنظر إلى تعدد أهدافها الاقتصادية والاستراتيجية. ومع ذلك، فإن تأمين إمدادات إضافية من الغاز والديزل يكتسب أهمية خاصة في ظل تداخل المخاطر الجيوسياسية مع الضغوط التي تواجهها الأسواق الأوروبية.
وتضع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والتوترات المحيطة بمضيق هرمز إمدادات الطاقة العالمية أمام تحديات متزايدة. ويكتسب هذا الممر البحري أهمية استراتيجية باعتباره أحد أبرز الطرق الدولية لنقل النفط والغاز، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة عاملاً مؤثراً في تكاليف النقل والتأمين وفي توقعات الأسواق.
بالنسبة إلى فرنسا، لا يتعلق الأمر فقط بتوفير كميات كافية من المحروقات، بل أيضاً بالحد من تعرض اقتصادها لتقلبات الأسعار وضمان انتظام الإمدادات في فترة يرتفع فيها الطلب على الغاز. غير أن تنويع الموردين، على أهميته، لا يلغي المخاطر المرتبطة بأمن الممرات البحرية أو بتكاليف الشحن، وهي عوامل قد تحد من الأثر المتوقع للإمدادات الإضافية.
وتستند الشراكة الفرنسية القطرية في مجال الغاز إلى علاقات تعاقدية طويلة الأمد. ففي أكتوبر 2023، وقّعت شركة «توتال إنرجيز» الفرنسية و«قطر للطاقة» اتفاقيتين لتوريد ما يصل إلى 3.5 ملايين طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال إلى فرنسا لمدة 27 عاماً، على أن تبدأ عمليات التسليم في عام 2026.
وتعكس هذه الاتفاقات التحولات التي شهدتها سياسة الطاقة الأوروبية منذ عام 2022، عقب الحرب الروسية الأوكرانية وما رافقها من تراجع الاعتماد على الإمدادات الروسية وإعادة ترتيب علاقات الاستيراد. ومن هذا المنظور، تمثل قطر أحد الشركاء الذين تراهن عليهم باريس لتعزيز أمنها الطاقي على المدى الطويل.
لكن التطورات الإقليمية الراهنة تضيف تعقيدات جديدة إلى هذه المعادلة، في ظل المخاطر التي تهدد حركة الشحن والقدرات التصديرية. ولذلك، فإن المعيار الحاسم لا يتمثل في حجم الكميات المعلن عنها فحسب، بل في القدرة على إيصالها بانتظام وفي المواعيد المحددة.
الديزل الخليجي واختبار القدرة الشرائية
لم يقتصر التحرك الفرنسي على الغاز الطبيعي المسال، بل امتد إلى سوق الديزل، التي ترتبط بصورة مباشرة بتكاليف النقل والخدمات والأنشطة الاقتصادية.
وبحسب ما أعلنه قصر الإليزيه، حصلت باريس على تعهدات من الإمارات والبحرين بتوفير نحو 100 ألف طن إضافي من الديزل شهرياً من كل دولة، إلى جانب إمدادات سبق تأمينها من السعودية. وتستهدف هذه الترتيبات تعزيز المعروض من الوقود والحد من الضغوط التي قد تنعكس على السوق المحلية.
كما تبحث فرنسا مع شركائها الخليجيين سبل خفض تكاليف التأمين البحري وتسهيل نقل إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز. وتكشف هذه الجهود أن التحدي لا يرتبط بتوافر المحروقات وحده، وإنما يشمل أيضاً كلفة نقلها والمخاطر التي تتحملها الشركات العاملة في سلاسل التوريد.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين التعهد بتوفير الشحنات ووصولها فعلياً إلى الأسواق. فالأثر على الأسعار يظل رهيناً بحجم الإمدادات المنفذة، وانتظام حركة الملاحة، وتطورات الوضع الأمني، فضلاً عن العوامل الأخرى التي تحدد الأسعار في الأسواق الدولية.
وحتى في حال نجاح هذه الترتيبات، فإن انعكاسها على القدرة الشرائية لن يكون بالضرورة فورياً. فتراجع الضغوط على سوق الجملة لا يعني تلقائياً انخفاض أسعار الوقود للمستهلكين، كما أن كلفة الطاقة ليست العامل الوحيد الذي يحدد مستويات الأسعار في الاقتصاد الفرنسي.
جولة تتجاوز الحسابات التجارية
جاء الإعلان عن الإمدادات القطرية عقب مباحثات ماكرون مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في قصر لوسيل بالدوحة، الثلاثاء. وتناولت المحادثات سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري والأمني والدفاعي.
ووصف أمير قطر اللقاء بأنه مثمر، مشيراً، في منشور على منصة «إكس»، إلى تبادل وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية والدولية، والتأكيد على أهمية ترسيخ الأمن والاستقرار وخدمة المصالح المشتركة.
وشملت الجولة الفرنسية الكويت والإمارات والبحرين قبل الوصول إلى قطر، في مسعى لتوسيع التعاون مع دول الخليج في مجالات الطاقة والدفاع والاستثمار، إلى جانب بحث سبل حماية الممرات البحرية في ظل التوترات الإقليمية.
وتعكس هذه التحركات توجهاً فرنسياً نحو توظيف العلاقات السياسية والاستراتيجية في مواجهة المخاطر الاقتصادية، مع إدراك أن أمن الطاقة لم يعد مسألة تجارية منفصلة عن التوازنات الجيوسياسية. فاستقرار الإمدادات يرتبط اليوم بقدرة الدول على بناء شراكات متعددة، وتأمين طرق النقل، وتقليل تعرض اقتصاداتها للصدمات الخارجية.
بين التحرك الخارجي والرهانات الداخلية
على الرغم من أهمية الاتفاقات والتعهدات الخليجية، فإن قدرة الحكومة الفرنسية على احتواء تداعيات أزمة الطاقة ستُقاس أيضاً بنتائجها داخل البلاد. فارتفاع أسعار المحروقات ينعكس على تكاليف التنقل والإنتاج والخدمات، ويؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في ميزانيات الأسر، ولا سيما الفئات الأكثر تأثراً بتقلبات الأسعار.
ومن هنا، يواجه ماكرون معادلة تتجاوز تأمين الكميات المطلوبة من الغاز والديزل: كيف يمكن تحويل التحركات الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن الفرنسي في حياته اليومية؟ فنجاح السياسة الخارجية في توفير الإمدادات لا يعفي الحكومة من معالجة الأسباب الداخلية للضغوط الاجتماعية، ولا يضمن وحده استعادة الثقة أو احتواء الاحتجاجات.
وتبقى الجولة الخليجية خطوة مهمة ضمن استراتيجية تنويع مصادر الطاقة وتعزيز التعاون مع الشركاء الإقليميين، لكن الحكم على فعاليتها سيظل مرتبطاً بالتنفيذ الفعلي للتعهدات، واستمرار تدفق الشحنات، وتطورات الوضع الأمني في الخليج.
في المحصلة، تمنح الإمدادات الإضافية باريس هامشاً أوسع للمناورة في مواجهة اضطرابات الأسواق، لكنها لا تشكل ضمانة لخفض الأسعار أو إنهاء التوترات الاجتماعية. فبين تأمين الطاقة وحماية القدرة الشرائية مسافة لا تختصرها الاتفاقات وحدها، بل تتوقف على قدرة الدولة على إدارة المخاطر الخارجية وتحويل الخيارات الاستراتيجية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة.