من سوق النخاسة إلى «السكانير»: حين يتحوّل الزواج على تيك توك إلى تجارة في الكرامة

بقلم: بوشعيب البازي

لم يعد الزواج في بعض زوايا تيك توك مجرد مشروع لتأسيس أسرة، ولا مناسبة للتعارف بحثاً عن شريك حياة، بل تحوّل، في مشاهد تثير القلق والاستغراب، إلى ما يشبه مزاداً إلكترونياً تختلط فيه الوعود العاطفية بالمقابل المالي، وتُعرض فيه النساء والرجال على جمهور افتراضي، وكأن بناء أسرة يحتاج إلى وسيط بث مباشر، وتسعيرة معلنة، وصورة تُرسل على الخاص لإثبات الجدية.

في هذا السوق المستحدث، لا يجري الحديث دائماً عن التوافق والمسؤولية والاستقرار، بل عن خمسين يورو هنا، وخمسين «سكانيراً» هناك، وعن صور ذات إيحاءات جنسية يُطلب من بعض النساء إرسالها إلى رجال يُقال إنهم يبحثون عن الزواج، مقابل مبالغ مالية أو وعود بربطهن بزوج محتمل. وهكذا، يصبح السؤال المحرج مشروعاً، لكنه ليس السؤال الذي ينبغي أن نطرحه أولاً: من يريد الزواج فعلاً، ومن يبيع الوهم تحت غطاء الزواج؟

خمسون يورو لشراء الوهم

حين تتحوّل عبارة «أبحث لك عن زوج» إلى مدخل للحصول على المال أو استدراج النساء لإرسال صور حميمية، فإننا لا نكون أمام وساطة اجتماعية بريئة بالضرورة، بل أمام ممارسات تستوجب التحقق من احتمال وجود احتيال أو ابتزاز أو استغلال جنسي.

وإذا صحّت الوقائع المتداولة بشأن مطالبة نساء بإرسال صور مخلة بالحياء مقابل تقديمهن لرجال مستعدين للزواج، فإن المسألة تتجاوز حدود العبث الأخلاقي إلى أسئلة قانونية وأمنية جدية: من يحتفظ بهذه الصور؟ أين تُنشر لاحقاً؟ هل تُستخدم لابتزاز أصحابها؟ ومن يضمن أن الرجل الذي يُقدَّم باعتباره زوجاً محتملاً موجود أصلاً، وليس مجرد شخصية في سيناريو تجاري محكم؟

إن أخطر ما في هذه الممارسات ليس مبلغ الخمسين يورو، على تفاهته النسبية، بل تحويل الحاجة إلى الزواج، أو الرغبة في تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي، إلى نقطة ضعف قابلة للاستثمار. فبعض المحتالين لا يحتاجون إلى اختراع الأحلام؛ يكفي أن يعرضوا على الناس أحلامهم الخاصة، ثم يضعوا عليها سعراً.

وإذا كانت هناك شبكات تنسّق بين الوسطاء والحسابات الافتراضية، وتستدرج النساء وتجمع الأموال أو الصور، فإن الأمر يستدعي تحقيقاً يحدد طبيعة هذه الشبكات ومسؤوليات أفرادها. أما إطلاق أحكام عامة على النساء المغربيات، انطلاقاً من سلوك بعض الحسابات، فليس تحليلاً صحفياً، بل تعميم ظالم يخدم الإثارة أكثر مما يخدم الحقيقة.

«السكانير» الجديد: فحص إلكتروني للكرامة

في بعض البثوث المباشرة، يتجاوز الأمر الحديث عن الزواج إلى أسئلة شخصية وحميمية، من قبيل الاستفسار عن العذرية، وكأن المرأة مطالبة بتقديم ملف طبي وأخلاقي أمام جمهور من الغرباء، قبل أن تحصل على فرصة للارتباط.

إنها مفارقة تستحق السخرية، لولا ما تنطوي عليه من إهانة: في زمن التطبيقات الذكية والذكاء الاصطناعي، لا يزال بعضهم يتصرف بمنطق التفتيش في أجساد النساء، لكن بأدوات حديثة وكاميرا عالية الدقة. لقد تطورت التكنولوجيا، بينما بقيت بعض العقليات عالقة عند بوابة سوق قديم، لا يعترف للمرأة بحقها في الخصوصية، ولا يرى في جسدها إلا موضوعاً للفحص والتقييم.

والأكثر عبثية أن تُقدَّم هذه الممارسات باسم الزواج، وكأن المؤسسة التي يفترض أن تقوم على الاحترام والثقة يمكن تأسيسها عبر استجواب علني، أو طلب صور حميمية، أو دفع مقابل مالي لوسيط يزعم امتلاك مفاتيح الحياة الزوجية.

فالزواج ليس امتحاناً للعذرية أمام جمهور، ولا صفقة تتوقف على صورة تُرسل عبر تطبيق، ولا شهادة حسن سلوك تُمنحها حسابات مجهولة. كما أن كرامة المرأة لا تتوقف على إجابة عن سؤال حميمي، ولا يجوز اختزال قيمتها الإنسانية في وضعها الجنسي أو تاريخها الشخصي.

سوق نخاسة بواجهة عصرية

كان سوق النخاسة القديم يعتمد على عرض الأشخاص وتقييمهم وبيعهم في فضاء مادي. أما النسخة الرقمية، حين تتحول المرأة فيها إلى مادة للاستعراض والمساومة، فتستبدل الساحة بالكاميرا، والسمسار بالحساب الإلكتروني، والجمهور الافتراضي بالمشترين المحتملين.

لكن التشبيه لا ينبغي أن يحجب الفروق: ليس كل بث مباشر للزواج اتجاراً بالبشر، وليس كل وسيط زواج مجرماً، كما أن كل امرأة تظهر على منصة اجتماعية لا تصبح تلقائياً ضحية أو متورطة في نشاط غير قانوني. إنما تبدأ المشكلة حين تُستخدم الحاجة العاطفية أو الاقتصادية لتبرير الاستغلال، وحين يصبح الحصول على المال مرتبطاً بإذلال الأشخاص أو انتهاك خصوصيتهم أو دفعهم إلى ممارسات لم يختاروها بحرية.

وإذا ثبت أن بعض الحسابات تنسق بصورة منظمة لاستدراج النساء، أو تتاجر بصورهن، أو تبتزهن، أو تتقاضى الأموال مقابل وعود كاذبة بالزواج، فإننا نكون أمام وقائع تستحق وصفها الدقيق والتحقيق فيها، لا الاكتفاء بالتشهير بأصحابها أو تحويلها إلى مادة للتندر.

المشكلة، إذن، ليست في أن الناس يبحثون عن الزواج عبر الإنترنت؛ فهذا سلوك أصبح مألوفاً في مجتمعات كثيرة. المشكلة في أن يتحول الزواج إلى غطاء تجاري، وأن تصبح المرأة منتجاً في واجهة افتراضية، وأن يُقدَّم الاستغلال على أنه خدمة اجتماعية، بينما تُسوَّق الإهانة باعتبارها ثمناً عادياً للحصول على شريك.

القانون المغربي: نصوص لا ينبغي أن تتحول إلى ديكور

في المغرب، يطرح انتشار هذه الممارسات أسئلة حول مدى انطباق القوانين الجنائية على الوقائع التي قد تتضمن التحريض على الفساد أو الاستغلال أو الابتزاز أو المساس بالحياة الخاصة.

ويستدعي الأمر هنا قدراً من الدقة القانونية. فالفصلان 490 و491 من القانون الجنائي المغربي يتعلقان، على التوالي، بالعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج وبجريمة الخيانة الزوجية، ولا يشكلان وحدهما أساساً قانونياً شاملاً لكل ما قد يحدث في بثوث تيك توك. كما أن مجرد الحديث عن الزواج أو تلقي مبلغ مالي أو طرح سؤال غير لائق لا يكفي، بمفرده، لإثبات ارتكاب جريمة بعينها.

أما إذا تضمنت الوقائع أفعالاً أخرى، مثل الابتزاز أو التهديد أو نشر صور حميمية دون موافقة أصحابها أو التحريض على ممارسات مجرّمة، فإن تكييفها القانوني يتوقف على تفاصيل كل حالة والأدلة المتاحة والنصوص القانونية المنطبقة عليها.

وهنا يبرز سؤال مشروع للسلطات المختصة: هل تخضع الحسابات التي تُثار بشأنها ادعاءات جدية بالابتزاز أو الاستغلال للتحري والتحقيق؟ وهل يجري التعامل مع الشكايات المحتملة بالسرعة اللازمة؟ وهل يعرف المتضررون إلى أين يتوجهون للإبلاغ عن استغلال صورهم أو طلب المال منهم تحت ذريعة الزواج؟

لا يمكن الجزم بغياب تدخل السلطات من دون الاطلاع على المعطيات الرسمية والشكايات والتحقيقات القائمة. لكن عدم وضوح الإجراءات المتخذة، إن ثبت، يترك المجال واسعاً أمام الشكوك ويمنح أصحاب الممارسات المشبوهة شعوراً بأن العالم الافتراضي منطقة خارج المساءلة.

فالقانون الذي لا يعرف المواطن كيف يحتمي به، والرقابة التي لا تظهر نتائجها بوضوح، يظلان عاجزين عن بناء الثقة، حتى عندما تكون المؤسسات قد اتخذت إجراءات لا يعلم الجمهور تفاصيلها.

حين تتحول المنصة إلى وسيط للاستغلال

لا يمكن تحميل تيك توك وحده مسؤولية كل سلوك يصدر عن مستخدميه، لكن المنصات الرقمية ليست فضاءات محايدة تماماً. فآليات التوصية والبث المباشر، حين تكافئ المحتوى المثير وتمنحه انتشاراً واسعاً، قد تساعد على تحويل التجاوزات إلى وسيلة لجذب الجمهور وتحقيق الأرباح.

وإذا كان بعض صناع المحتوى يكتشفون أن الأسئلة الحميمية والفضائح والاستفزازات تستقطب المشاهدات والهدايا الرقمية، فإن الإغراء التجاري يصبح واضحاً: كلما تراجعت الحدود، ارتفعت احتمالات الانتشار. وهكذا، يتحول انتهاك الخصوصية إلى مادة للفرجة، وتصبح كرامة الإنسان تفصيلاً ثانوياً في سباق الأرقام.

والمطلوب هنا ليس شيطنة التكنولوجيا، ولا فرض رقابة أخلاقية عشوائية على الحياة الخاصة، بل تطبيق قواعد واضحة ضد الابتزاز والاستغلال ونشر المحتوى الحميمي دون موافقة، مع إتاحة وسائل فعالة للتبليغ وحماية الضحايا، والتعامل مع الادعاءات وفق الأدلة لا وفق الأحكام المسبقة.

كما ينبغي ألا تتحول مكافحة هذه الممارسات إلى حملة تستهدف النساء وحدهن. فالرجل الذي يدفع المال مقابل صور حميمية، والوسيط الذي يستغل النساء، والحساب الذي يبتز أصحاب الصور، والجهة التي تعيد نشرها، جميعهم يستحقون المساءلة بحسب أدوارهم وما يثبت عليهم قانوناً. إن اختزال القضية في «انحراف النساء» يعفي بقية أطراف المنظومة من مسؤولياتهم، ويحوّل النقاش من مواجهة الاستغلال إلى محاكمة اجتماعية انتقائية.

السخرية من السوق لا من ضحاياه

لعل أكثر ما يثير السخرية في هذه المشاهد أن بعض الوسطاء يتصرفون وكأنهم يديرون وكالة دولية للزواج، بينما لا يملكون سوى هاتف واتصال بالإنترنت، ووعود لا يمكن التحقق منها، وتسعيرة تُعلن أمام الجمهور. إنهم يقدمون أنفسهم بوصفهم خبراء في بناء الأسر، ثم يختزلون الطريق إلى الزواج في تحويل مالي أو صورة خاصة أو إجابة عن سؤال يمس الحياة الحميمة.

وبهذا المنطق، قد يصبح عقد الزواج أقل تعقيداً من الاشتراك في خدمة رقمية: تدفع أولاً، ترسل ما يُطلب منك، ثم تنتظر النتيجة. وإذا لم يظهر الزوج الموعود، فربما يُقال لك إن السوق يحتاج إلى مزيد من الصبر، أو إن العرض المقبل أفضل، أو إن عليك دفع مبلغ إضافي لتحسين فرصك.

لكن السخرية، مهما كانت لاذعة، ينبغي أن تتجه إلى من يستغلون الناس، لا إلى النساء اللواتي قد يقعن ضحايا للخداع أو الضغط أو الابتزاز. فالضحايا لا يحتاجون إلى مزيد من التشهير، بل إلى الحماية والإنصاف، وإلى بيئة اجتماعية لا تجعل الخوف من الفضيحة عائقاً أمام التبليغ.

من يحمي الكرامة في الفضاء الرقمي؟

إن مواجهة هذه الظاهرة، حيث تثبت وقائعها، لا تبدأ بحملات التشهير ولا تنتهي بالمواعظ الأخلاقية. إنها تحتاج إلى تحقيقات جدية في الادعاءات المتعلقة بالابتزاز والاحتيال والاستغلال، وإلى توعية قانونية ورقمية، وإلى وسائل آمنة للتبليغ، وإلى مساءلة جميع الأطراف المتورطة وفق القانون.

وتحتاج أيضاً إلى نقاش اجتماعي أكثر نضجاً حول الزواج نفسه: لماذا يجد بعض الأشخاص أنفسهم مستعدين لدفع المال لوسطاء مجهولين؟ ولماذا تقبل بعض النساء أو الرجال الدخول في علاقات رقمية تنطوي على مخاطر واضحة؟ وما الذي يجعل الوعد بالزواج قابلاً للتحول إلى أداة للاستغلال؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذه الأسئلة، ولا يجوز اختزالها في تفسير أخلاقي سهل. فالعوامل الاقتصادية والاجتماعية، والرغبة في الاستقرار، والخوف من الوحدة، والضغط الأسري، كلها قد تتداخل بدرجات متفاوتة. وفهم هذه العوامل لا يعني تبرير الاستغلال، بل يساعد على مواجهته بفعالية أكبر.

في النهاية، ليس الخطر في أن تبحث امرأة مغربية عن زوج عبر تيك توك، ولا في أن يحاول رجل التعارف عبر منصة رقمية. الخطر الحقيقي هو أن يتحول الوعد بالزواج إلى غطاء للاحتيال، وأن يصبح الجسد وسيلة للتفاوض، وأن تُعامل الخصوصية باعتبارها سلعة، وأن يختلط البحث عن شريك الحياة بالبحث عن ضحية.

أما «السكانير» الذي يحتاجه هذا السوق، فليس جهازاً لفحص عذرية النساء، ولا كاميرا لكشف أسرارهن، بل تحقيقاً جاداً يميّز بين الممارسة المشروعة والاستغلال المجرّم، ويحدد المسؤوليات، ويحمي المتضررين.

ففي زمن أصبحت فيه الكاميرا قادرة على الوصول إلى ملايين المشاهدين في ثوانٍ، لا يجوز أن تظل كرامة الإنسان هي الحلقة الأضعف في البث المباشر. والزواج، مهما تغيرت وسائله، ليس سلعة تُعرض في مزاد إلكتروني، ولا شهادة تُمنح بعد فحص حميمي، ولا وعداً يُشترى بخمسين يورو.

إنه، في أبسط معانيه، علاقة بين شخصين؛ أما تحويله إلى تجارة في الأجساد والخصوصيات، فليس حداثة، بل استغلال قديم اكتفى بتحديث واجهته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com