الصومال بين تقرير المصير ووحدة الأراضي.. مفارقة مقديشو في ملفي الصحراء المغربية وصوماليلاند

بقلم بوشعيب البازي

أعاد تصويت الصومال داخل مجلس الأمن الدولي بشأن قضية الصحراء المغربية فتح النقاش حول حدود التوفيق بين مبدأ تقرير المصير ومبدأ وحدة الأراضي، خصوصاً أن مقديشو، التي أيدت مشروع القرار الروسي المتعلق بتمديد ولاية بعثة المينورسو، تتمسك في المقابل برفض استقلال إقليم صوماليلاند، الذي أعلن انفصاله من جانب واحد سنة 1991.

وتضع هذه المعادلة الدبلوماسية الحكومة الصومالية أمام تساؤلات سياسية وقانونية بشأن المعايير التي تعتمدها في التعامل مع النزاعات المرتبطة بتقرير المصير، وإن كانت الحالتان تختلفان من حيث الخلفيات التاريخية والمرجعيات القانونية والسياقات الإقليمية.

ففي 30 أكتوبر 2026، صوتت الصومال إلى جانب روسيا والصين لصالح مشروع القرار الروسي بشأن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، في مواجهة المشروع الأميركي الذي استخدمت موسكو حق النقض ضده. ولم يحصل النص الروسي، الذي نال ثلاثة أصوات مؤيدة، على الحد الأدنى المطلوب لاعتماده، بعدما عارضته الولايات المتحدة وامتنعت 11 دولة عن التصويت.

وكان المشروع الأميركي يقترح تمديد ولاية المينورسو، مع إدخال تعديلات على طبيعة مهمتها، من بينها تقليص مكونها العسكري وحذف الإشارة إلى الاستفتاء من اسمها، إلى جانب اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات. في المقابل، دافعت موسكو عن الإبقاء على الصيغة الحالية للبعثة، معتبرة أن التعديلات المقترحة تسبق التوصل إلى تسوية سياسية متوافق عليها.

تصويت لا يعني تبني أطروحة الانفصال

من الناحية السياسية والدبلوماسية، لا يمكن اعتبار تصويت مقديشو لصالح المشروع الروسي إعلاناً لتأييد استقلال الصحراء المغربية أو تبنياً لمواقف جبهة البوليساريو. فالنص الذي صوتت لصالحه كان يتمحور حول استمرار ولاية البعثة الأممية والإبقاء على إطار عملها القائم، ولم يتضمن اعترافاً بدولة مستقلة في الإقليم.

وعليه، فإن قراءة الموقف الصومالي ينبغي أن تنطلق من مضمون المشروع الروسي نفسه، لا من إسقاطات سياسية تتجاوز ما ورد في نصه. غير أن هذا التوضيح لا يلغي الأسئلة التي أثارتها المقارنة مع ملف صوماليلاند، حيث تبدو مقديشو أكثر تشدداً في الدفاع عن وحدة أراضيها ورفض أي مسار قد يفضي إلى تكريس الانفصال.

صوماليلاند.. تقرير مصير مرفوض من مقديشو

أعلن إقليم صوماليلاند انفصاله عن الصومال سنة 1991، مستنداً إلى خلفيته التاريخية باعتباره محمية بريطانية سابقة، وإلى وضعه ككيان مستقل لفترة وجيزة سنة 1960 قبل اتحاده مع الصومال الإيطالي لتشكيل الجمهورية الصومالية.

ومنذ ذلك التاريخ، تمكن الإقليم من بناء مؤسسات سياسية وإدارية وأجهزة أمنية خاصة به، وأدار شؤونه بصورة مستقلة إلى حد بعيد، رغم غياب الاعتراف الدولي الواسع به. وفي المقابل، ظلت الحكومة الفيدرالية في مقديشو تعتبره جزءاً لا يتجزأ من أراضي الدولة الصومالية، وترفض أي اعتراف خارجي باستقلاله.

وتستند مقديشو في موقفها إلى مبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو أحد المرتكزات التي قامت عليها منظمة الوحدة الأفريقية، بموجب قرار القاهرة الصادر سنة 1964، والذي دعا الدول الأفريقية إلى احترام الحدود القائمة عند حصولها على الاستقلال.

وتخشى السلطات الصومالية أن يؤدي الاعتراف باستقلال صوماليلاند إلى تعقيد جهود إعادة بناء الدولة، وإضعاف سلطتها الفيدرالية، فضلاً عن فتح الباب أمام مطالب انفصالية أخرى في بلد لا يزال يواجه تحديات أمنية وسياسية، من بينها مكافحة حركة الشباب وتعزيز مؤسسات الحكم.

انتقادات من داخل صوماليلاند

في الأوساط السياسية والإعلامية بصوماليلاند، تثير مواقف مقديشو من قضية الصحراء تساؤلات بشأن مدى اتساق خطابها الدبلوماسي. ويرى منتقدون أن دعم استمرار مسار أممي يستند إلى تقرير المصير في نزاع الصحراء، مقابل رفض أي نقاش مماثل بشأن مستقبل صوماليلاند، يكشف عن انتقائية في توظيف المبادئ الدولية.

غير أن هذه المقارنة، على أهميتها السياسية، لا تعني بالضرورة التطابق القانوني بين الملفين. فلكل نزاع ظروفه التاريخية ومرجعياته الدولية، كما أن تقرير المصير لا يترتب عليه تلقائياً الحق في الانفصال أو إنشاء دولة مستقلة. ويظل تطبيقه مرتبطاً بطبيعة القضية والإطار القانوني والسياسي الذي يحكمها.

ومن ثم، فإن الإشكال لا يكمن فقط في اختلاف الموقفين، بل في حاجة مقديشو إلى تقديم تفسير دبلوماسي واضح للمعايير التي تستند إليها عندما تتعامل مع قضايا السيادة والوحدة الترابية وتقرير المصير.

حسابات دبلوماسية تتجاوز الجغرافيا

لا يمكن فصل انخراط الصومال في ملف الصحراء عن موقعها داخل المؤسسات الدولية، ولا سيما عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن خلال الفترة 2025-2026. فالتصويت على القرارات المتعلقة بالنزاعات الإقليمية يدخل ضمن مسؤولياتها الدبلوماسية، ويعكس أيضاً حساباتها في علاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية.

وكانت مقديشو قد صوتت لصالح القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي مدد ولاية المينورسو حتى 31 أكتوبر 2026، وجعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات. كما أكدت، في بيان رسمي صدر في ديسمبر من السنة نفسها، دعمها للمسار الأممي وحرصها على تطوير علاقاتها مع المملكة المغربية، في إطار احترام السيادة والوحدة الوطنية للدول.

ويكشف هذا المسار عن أن السياسة الخارجية الصومالية لا تتحرك بالضرورة وفق موقف واحد ثابت من جميع النزاعات، بل تتأثر بطبيعة القرارات المطروحة وتوازنات مجلس الأمن وحسابات العلاقات الثنائية. وهو ما يفسر جزئياً اختلاف تصويتها في أكتوبر 2026 عن موقفها السابق، دون أن يعني ذلك حدوث تحول معلن في موقفها من السيادة المغربية على الصحراء.

في المحصلة، تضع قضية الصحراء المغربية وصوماليلاند الدبلوماسية الصومالية أمام اختبار يتعلق بمدى قدرتها على التوفيق بين المبادئ التي تدافع عنها في المحافل الدولية والمصالح المرتبطة بوحدة أراضيها واستقرار مؤسساتها.

فمقديشو تدرك أن مسألة صوماليلاند ترتبط مباشرة بمستقبل الدولة الصومالية، ولذلك تتمسك بوحدة أراضيها وترفض الاعتراف بالانفصال. لكن مواقفها في نزاعات أخرى تظل خاضعة للمساءلة السياسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتفسير مبدأ تقرير المصير وحدود تطبيقه.

وهكذا، لا يمثل تصويت الصومال الأخير تأييداً لاستقلال الصحراء المغربية، بقدر ما يعيد طرح سؤال أوسع: هل تتعامل الدول مع المبادئ الدولية باعتبارها قواعد عامة، أم باعتبارها مواقف تتحدد في النهاية وفق خصوصية كل نزاع وحسابات المصالح الوطنية؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com