مؤسسات مغاربة العالم.. من التمثيل الرمزي إلى سؤال المحاسبة: إلى متى تستمر المسؤوليات بلا حصيلة واضحة؟

بقلم: بوشعيب البازي

لم يعد السؤال الذي يطرحه عدد متزايد من مغاربة العالم متعلقاً بوجود مؤسسات تحمل أسماءهم، بقدر ما أصبح مرتبطاً بجدوى هذه المؤسسات، ومدى قدرتها على الاستجابة لانتظارات ملايين المغاربة المقيمين بالخارج. فبعد سنوات طويلة من إحداث مؤسسات يفترض أنها وُجدت للدفاع عن مصالحهم، وتأطير مشاركتهم في الحياة الوطنية، وصيانة ارتباطهم ببلدهم، ما زال جزء واسع من الجالية يتساءل عما تحقق فعلياً، وما الذي تغير في حياتها بفعل هذه الهيئات.

ويبرز في مقدمة هذه المؤسسات مجلس الجالية المغربية بالخارج، ومؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج. مؤسستان تختلف اختصاصاتهما وأدوارهما، لكنهما تواجهان سؤالاً مشتركاً يتردد في أوساط الجالية: أين تظهر نتائج العمل المؤسساتي على أرض الواقع؟

فالمغاربة المقيمون بالخارج لا يحتاجون إلى مؤسسات تكتفي بإصدار البلاغات وتنظيم اللقاءات والندوات، ولا إلى خطابات موسمية تستحضر الجالية عند المناسبات الوطنية، ثم تغيب عندما يتعلق الأمر بمشاكلها اليومية. إنهم بحاجة إلى آليات فعالة للدفاع عن حقوقهم، ومواكبة ملفاتهم الإدارية والقانونية، وتقديم تصورات عملية بشأن مشاركتهم الاقتصادية والسياسية والثقافية في تنمية المغرب.

مؤسسات قائمة منذ عقود.. والجالية تبحث عن أثرها

تأسس مجلس الجالية المغربية بالخارج بموجب الظهير الشريف رقم 1.07.208 الصادر في 21 دجنبر 2007، وبدأ عمله باعتباره مؤسسة استشارية مكلفة بتتبع وتقييم السياسات العمومية الموجهة للمغاربة المقيمين بالخارج، والمساهمة في تطويرها. ونصت المقتضيات الانتقالية على ولاية أولى مدتها أربع سنوات لأعضاء المجلس.

غير أن مرور السنوات أعاد إلى الواجهة إشكالية استمرارية المسؤوليات وتجديد النخب داخل هذه المؤسسة. فوجود أسماء في مواقع المسؤولية لسنوات طويلة يطرح، بصرف النظر عن الاعتبارات القانونية المرتبطة بالتعيين، سؤالاً مشروعاً حول مبدأ التداول، وتجديد المقاربات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ويظل إدريس اليزمي، الذي عُيّن رئيساً للمجلس عند تأسيسه سنة 2007، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بهذه المؤسسة. لكن السؤال الذي يستحق جواباً مؤسساتياً واضحاً هو: ما الحصيلة التي يمكن تقديمها اليوم لمغاربة العالم؟ وما التوصيات التي تحولت إلى سياسات عمومية ملموسة؟ وما أثر الدراسات والندوات واللقاءات التي نظمها المجلس على واقع الجالية في بلدان الإقامة؟

ليس المطلوب التقليل من قيمة الدراسات أو الأنشطة الثقافية والفكرية، وإنما وضعها في ميزان النتائج. فالمؤسسة الاستشارية لا تُقاس فقط بعدد منشوراتها أو ندواتها، بل بمدى تأثير مقترحاتها في القرارات العمومية، وقدرتها على نقل انشغالات المواطنين إلى مراكز القرار.

مؤسسة الحسن الثاني.. برامج قائمة وأسئلة حول النجاعة

أما مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، التي أُحدثت سنة 1990، فقد أُسندت إليها اختصاصات واسعة تشمل المساعدة القانونية والاجتماعية، والتعليم والثقافة، والدعم والمواكبة، والحفاظ على الروابط بين مغاربة العالم ووطنهم الأصلي. وهي تقدم بالفعل برامج وخدمات في عدد من هذه المجالات، وفق ما تنشره في موقعها الرسمي.

لكن الاعتراف بوجود هذه البرامج لا يعفي المؤسسة من واجب تقديم حصيلة شاملة وشفافة، توضح عدد المستفيدين، وطبيعة الملفات التي تمت معالجتها، ونسبة الشكايات التي وجدت طريقها إلى الحل، ومدى وصول خدماتها إلى المغاربة في مختلف الدول الأوروبية وغيرها.

كما أن استمرار بعض الأسماء في مواقع المسؤولية، ومن بينها عبد الرحمن الزاهي الذي ارتبط اسمه بتدبير المؤسسة، يفتح النقاش حول ضرورة تقييم الأداء وتجديد المسؤوليات، لا من باب استهداف الأشخاص، وإنما من منطلق أن المؤسسات العمومية ليست ملكية خاصة، وأن المناصب المرتبطة بخدمة المواطنين ينبغي أن تظل خاضعة لمعايير النجاعة والمردودية.

اعتراف رسمي بوجود اختلالات

وليس هذا النقاش مجرد انطباع صادر عن أفراد الجالية أو انتقاد إعلامي. فقد سجل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تقريره حول مغاربة العالم المنشور سنة 2023، أن المنظومة المؤسساتية المعنية بهذه الفئة تتسم بتعدد المتدخلين، لكنها لا تزال غير كافية وغير ناجعة بالقدر المطلوب.

وأشار التقرير إلى ضعف التنسيق بين المؤسسات، واشتغال عدد منها بصورة منفصلة، وتكرار بعض البرامج، وغياب مخاطب مؤسساتي واحد لمغاربة العالم. كما دعا إلى إعادة هيكلة المنظومة وتعزيز دور مؤسسة الحسن الثاني باعتبارها ذراعاً تنفيذية للسياسات الموجهة للجالية. 23 شعبان 1444

وهذا الاعتراف الرسمي يضع النقاش في إطاره الصحيح: المشكلة ليست في غياب المؤسسات أو نقص الاختصاصات على الورق، بل في كيفية تحويل هذه الاختصاصات إلى خدمات ونتائج يشعر بها المواطن المغربي المقيم بالخارج.

فالجالية التي تواجه صعوبات في الحصول على مواعيد قنصلية، أو تسوية ملفات عقارية وإدارية، أو حماية مصالحها القانونية، لا يمكن مطالبتها بالاكتفاء بمتابعة الندوات والبلاغات. وهي لا تنتظر من المؤسسات أن تتحدث باسمها فحسب، بل أن تكون قادرة على الدفاع عن قضاياها والترافع بشأنها لدى الجهات المختصة.

هل أصبحت المسؤولية امتيازاً طويل الأمد؟

الأكثر إثارة للاستغراب هو أن النقاش حول تجديد المسؤوليات داخل هذه المؤسسات لا يحظى، في نظر كثير من أفراد الجالية، بالاهتمام الذي يستحقه. فكيف يمكن إقناع أجيال جديدة من مغاربة العالم بأهمية المشاركة في المؤسسات الوطنية، في الوقت الذي تظل فيه بعض مواقع المسؤولية مرتبطة بالأسماء نفسها لسنوات طويلة؟

وهل أصبح التعيين في مؤسسة معنية بمغاربة العالم امتيازاً يمتد بلا أفق واضح للتجديد والتقييم؟ وهل بات من الصعب تصور مرحلة جديدة بأسماء وكفاءات مختلفة، قادرة على تقديم رؤية تتناسب مع التحولات العميقة التي تعرفها الهجرة المغربية؟

لقد تغيرت الجالية المغربية بصورة كبيرة. فأبناء الجيل الثاني والثالث والرابع أصبحوا فاعلين في السياسة والاقتصاد والإعلام والبحث العلمي في بلدان الإقامة. كما ظهرت كفاءات مغربية جديدة، وجمعيات مستقلة، ومبادرات شبابية تتجاوز في كثير من الأحيان الأطر التقليدية للتمثيل.

ومع ذلك، لا يزال السؤال مطروحاً حول مدى انفتاح المؤسسات المعنية على هذه الكفاءات، وحول المعايير المعتمدة في اختيار من يتحدث باسم ملايين المغاربة بالخارج.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة ليس توجيه النقد إليها، بل أن تتحول إلى جهاز يواصل الاشتغال بمنطق الاستمرارية الإدارية، بينما تتغير حاجيات المجتمع الذي أُنشئت من أجله.

الجالية لا تطلب امتيازات.. بل مؤسسات تحاسب على نتائجها

لا يتعلق الأمر بالمطالبة بإلغاء مجلس الجالية أو مؤسسة الحسن الثاني، ولا بالتشكيك في كل ما أنجزته أطرهما، وإنما بالدعوة إلى مراجعة جادة لطريقة اشتغالهما، ونشر حصيلتيهما، وتوضيح طبيعة المسؤوليات ومددها، وفتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على تجديد العمل المؤسساتي.

فالمغاربة المقيمون بالخارج ليسوا مجرد أرقام تُستحضر في الخطابات الرسمية، ولا مورداً مالياً يُقاس بحجم التحويلات والاستثمارات، بل مواطنون لهم حقوق وانتظارات، ومن حقهم معرفة ما تقدمه المؤسسات التي أُحدثت باسمهم، وكيف تُصرف مواردها، ومن يتحمل مسؤولية إخفاقاتها.

أما أن تستمر بعض الوجوه في مواقعها لسنوات طويلة، دون أن تكون هناك محاسبة علنية ومقنعة للحصيلة، فذلك يطرح إشكالاً يتجاوز الأشخاص إلى فلسفة تدبير المؤسسات نفسها.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بقدر من الصراحة التي يستحقها هذا الملف: هل تحتاج مؤسسات مغاربة العالم إلى إصلاح حقيقي وتجديد دمائها، أم أن الجالية مطالبة بانتظار أن يغادر المسؤولون مقاعدهم من تلقاء أنفسهم؟ وهل أصبح التغيير رهيناً بمرور الزمن، إلى درجة أن بعض المغاربة يتساءلون ساخِرين: هل ينبغي انتظار ملك الموت حتى تتحرر هذه المناصب من أصحابها؟

إنها مفارقة لا ينبغي أن تستمر: مؤسسات أُنشئت لخدمة الجالية، فيما لا تزال الجالية تطالبها، بعد عقود من وجودها، بأن تثبت بصورة ملموسة أنها تؤدي الغاية التي أُحدثت من أجلها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com