مقتل الشاب المغربي عماد في إسبانيا.. وقفة احتجاجية ببلاسينسيا تطالب بكشف الحقيقة والتحقيق في شبهة العنصرية

مجدي فاطمة الزهراء

والدة الضحية ترفع شعار «نريد العدالة، لا الإفلات من العقاب».. والجالية المغربية والمسلمة تدعو إلى ضمان عدم طي الملف قبل استكمال التحقيقات القضائية.

تحولت الساحة الكبرى بمدينة بلاسينسيا الإسبانية، يوم الثلاثاء 3 نونبر، إلى فضاء للتضامن والحزن والمطالبة بالعدالة، عقب مقتل الشاب المغربي عماد، البالغ من العمر 22 سنة، متأثرا بإصاباته إثر تعرضه لاعتداء باستعمال سلاح أبيض.

وشارك عشرات السكان، إلى جانب أفراد من الجالية المغربية والمسلمة وفعاليات من المجتمع المدني، في وقفة تأبينية خُصصت لاستذكار الضحية والمطالبة بكشف جميع ملابسات الجريمة، وسط تساؤلات بشأن احتمال وجود دوافع عنصرية وراء الاعتداء، وهي فرضية تتمسك بها أسرة الشاب وتطالب الجهات المختصة بالتحقيق فيها.

وكان المشهد الأكثر تأثيرا حضور والدة عماد، التي وقفت وسط المشاركين حاملة لافتة كتب عليها: «نريد العدالة، لا الإفلات من العقاب». كما رفع الحاضرون شعارات عبّرت عن حجم المأساة، من بينها: «حياة سُلبت.. وأسرة تحطمت»، قبل الوقوف دقيقة صمت ترحما على روح الشاب الذي انتهت حياته في ظروف مأساوية.

وجاءت هذه المبادرة بعد أربعة أيام من وفاة عماد داخل المستشفى، متأثرا بجروح أصيب بها خلال الاعتداء الذي تعرض له. وقد خلّف الحادث صدمة في أوساط أسرته ومعارفه، كما أثار قلقا لدى جزء من الجالية المغربية بالمنطقة، التي تتابع تطورات القضية وتطالب بضمان السير العادي للتحقيق القضائي.

شبهة الدافع العنصري تضع التحقيق أمام اختبار الحقيقة

لم تقتصر مطالب المشاركين على التعبير عن الحزن والتضامن مع الأسرة، بل امتدت إلى ضرورة تحديد خلفيات الجريمة ودوافعها، خصوصا في ظل تأكيد أقارب الضحية وجود شبهة عنصرية وراء الاعتداء.

وفي انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات، تظل هذه الفرضية في حاجة إلى إثبات قضائي، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو الاستنتاجات المتسرعة. غير أن مطالبة الأسرة بالتحقيق فيها تفرض، بحسب المتضامنين، التعامل معها بالجدية اللازمة، وعدم استبعاد أي احتمال قبل استكمال جمع الأدلة والاستماع إلى المعنيين.

وخلال الوقفة، ألقت مريم حيون، إحدى ساكنات المدينة، كلمة مؤثرة استحضرت فيها شخصية عماد وما كان يمثله بالنسبة إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي.

وقالت إن الراحل لم يكن مجرد شاب في الثانية والعشرين من عمره، بل كان ابنا وأخا وصديقا، له أحلامه وطموحاته وعلاقاته الإنسانية، قبل أن تنهي الجريمة حياته بشكل مفاجئ. وأضافت أن فقدانه ترك فراغا عميقا لدى عائلته وكل من عرفه، معتبرة أن ما حدث مأساة لم يكن ينبغي أن تقع.

ووجهت المتحدثة رسالة تضامن إلى أسرة الضحية، مؤكدة أن سكان المدينة يتقاسمون معها ألم الفقدان، وأنها ليست وحدها في مواجهة هذه المحنة.

كما شددت على أن المطالبة بالعدالة لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة لتعميم الاتهامات أو تأجيج العداء بين مكونات المجتمع. فالمسؤولية، كما أوضحت، تقع على الأفراد الذين تثبت إدانتهم، ولا يجوز تحميل جنسية أو ديانة أو جماعة بأكملها تبعات تصرفات شخص واحد.

واعتبرت أن التعايش بين مختلف مكونات بلاسينسيا يظل ضرورة اجتماعية، لكنه لا يتعارض مع المطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة.

الجالية الإسلامية: لا نريد أن يُطوى الملف مع مرور الوقت

من جهته، أكد محمد الطقطاق الأزرق، رئيس الجالية الإسلامية بمدينة بلاسينسيا ونائب رئيس اتحاد الجاليات الإسلامية بإقليم إكستريمادورا، أن التحرك التضامني جاء أساسا لمساندة أسرة عماد والتعبير عن رفض ما تعرض له الشاب.

وأوضح، في تصريح لـLe360، أن الجالية حرصت منذ وقوع الحادث على التواصل مع العائلة ومواكبتها في هذه الظروف الصعبة، مشيرا إلى أن تنظيم الوقفة قبل مغادرة أفراد الأسرة إسبانيا كان أمرا ضروريا لإبقاء القضية حاضرة في النقاش العام.

وقال إن الجالية لا تريد أن تمر الأيام وينحسر الاهتمام بالملف، قبل أن تستكمل العدالة الإسبانية إجراءاتها وتكشف حقيقة ما جرى. وأضاف أن المطلوب هو استمرار التحقيق إلى نهايته، وتحديد المسؤوليات وفق ما تثبته الأدلة.

وكشف المتحدث أن الأسرة كانت تستعد لنقل جثمان ابنها إلى المغرب في اليوم الموالي، بعد استكمال الوثائق القنصلية اللازمة، تمهيدا لدفنه في مسقط رأسه بمدينة الفقيه بنصالح.

وتعكس هذه الخطوة حجم الخسارة التي تكبدتها الأسرة، التي وجدت نفسها مضطرة إلى مغادرة إسبانيا بجثمان ابنها، فيما لا تزال الأسئلة المرتبطة بظروف مقتله ودوافع الاعتداء تنتظر أجوبة قضائية واضحة.

ضعف التغطية الإعلامية يثير استياء الجالية

إلى جانب المطالبة بالعدالة، أثار مستوى التغطية الإعلامية التي حظيت بها الجريمة انتقادات في أوساط أفراد من الجالية المغربية والمسلمة، الذين اعتبروا أن مقتل شاب في مقتبل العمر لم ينل الاهتمام الذي يستحقه على المستوى الإعلامي الوطني الإسباني.

وفي هذا السياق، أشار محمد الطقطاق الأزرق إلى أن بعض وسائل الإعلام المحلية تناولت الواقعة، غير أن صداها ظل محدودا، ولم تتحول القضية إلى موضوع يحظى بنقاش وطني أو اهتمام دولي يتناسب مع خطورة الحادث.

وعبّر المتحدث عن استيائه من تفاوت الاهتمام الإعلامي بمثل هذه القضايا، معتبرا أن التعامل مع الجرائم ينبغي أن يستند إلى خطورتها وحقوق الضحايا وأسرهم، بعيدا عن خلفياتهم أو أصولهم.

ومع ذلك، شدد على ضرورة الحفاظ على الطابع السلمي للتحركات، وتوجيه الغضب نحو المطالبة بتطبيق القانون، لا نحو خلق توترات جديدة داخل المجتمع.

فبالنسبة إلى الجالية، لا يتعلق الأمر فقط بالتضامن مع أسرة فقدت ابنها، بل أيضا بضمان أن تحظى القضية بالاهتمام اللازم، وأن تظل تحت متابعة الرأي العام إلى حين اتضاح نتائج التحقيق.

المشتبه فيه الرئيسي رهن الاعتقال الاحتياطي

وعلى المستوى القضائي، لا تزال القضية معروضة أمام السلطات الإسبانية، فيما يوجد المشتبه فيه الرئيسي، البالغ من العمر 19 سنة، رهن الاعتقال الاحتياطي، للاشتباه في تورطه في جريمة القتل.

وتبقى الكلمة الفصل للقضاء الإسباني، الذي ينتظر منه تحديد المسؤوليات والكشف عن الظروف التي سبقت الاعتداء، فضلا عن التحقق من الفرضيات المرتبطة بالدافع المحتمل للجريمة.

وفي هذا الإطار، تكتسي المطالبة بالتحقيق في الشبهة العنصرية أهمية خاصة بالنسبة إلى أسرة الضحية، التي لا تريد أن يقتصر الملف على تحديد الفاعل، بل تطالب أيضا بفهم الخلفيات التي أحاطت بالاعتداء، إذا كانت لها صلة بالمنطلقات العنصرية التي تتحدث عنها.

من بلاسينسيا إلى الفقيه بنصالح.. أسرة تودع ابنها وتنتظر العدالة

مع انتهاء الوقفة التأبينية، غادر المشاركون الساحة الكبرى وهم يحملون مطلبا مشتركا: ألا تتحول وفاة عماد إلى مجرد واقعة عابرة في سجل الحوادث الجنائية، وألا يتراجع الاهتمام بالقضية قبل استكمال التحقيقات.

ومن المرتقب أن يوارى جثمان الشاب الثرى بمدينة الفقيه بنصالح، حيث ستستقبله أسرته وأقاربه لوداعه الأخير، بعد أن غادر الحياة في إسبانيا وهو لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره.

وبين ألم الفقدان وانتظار نتائج التحقيق، تظل أسرة عماد متمسكة بمطلبها الأساسي: معرفة الحقيقة كاملة، والتحقيق الجدي في جميع الدوافع المحتملة، وضمان محاسبة كل من تثبت مسؤوليته أمام القضاء.

فالشعار الذي رفعته والدته في ساحة بلاسينسيا لم يكن مجرد عبارة في وقفة تأبينية، بل اختزالا لمطلب أسرة تريد أن تعرف لماذا قُتل ابنها، وأن ترى العدالة تأخذ مجراها دون تمييز أو إفلات من المسؤولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com